تشهد السينما الجزائرية اليوم مرحلة مهمة من إعادة البعث بعد سنوات من التراجع، في ظلّ تغيّر الأطر السياسية والثقافية، وغياب الإنتاج السينمائي المستمر لعقود. في هذا السياق، يبرز دور التلفزيون الجزائري العمومي كعنصر فاعل في دعم صناعة السينما المحلية وإعادة بناء الصورة الحقيقية للجزائر داخليًا وخارجيًا.
في هذا الحوار، يقدّم البروفيسور أحمد بجاوي وجهة نظره حول العلاقة بين السينما والتلفزيون، والعقبات التي تواجه الإنتاج السينمائي، وأهمية التعاون المحلي والدولي، ودور النقاد، وحدود الحرية الفنية، فضلاً عن رؤيته لمستقبل السينما الجزائرية.
** هل تعتقد أنّ التلفزيون العمومي الجزائري لا يزال رهينًا للنظرة الكلاسيكية فيما يخصّ الإنتاج السينمائي، أم أنّه يحاول بناء هوية فنية خاصة؟
النظرة الكلاسيكية موجودة، لكن علينا إعادة النظر فيها لمواكبة الزمن. في الماضي، كان التلفزيون يعتمد على السينما، والسينما تعتمد على التلفزيون، حيث كان الفيلم يعزّز برمجة التلفزيون ويدعم الخطاب السياسي للجريدة المصوّرة، فكان هناك توازن طبيعي بين الطرفين. هذا التوازن تراجع بعد فترة، لكن اليوم هناك إرادة قوية لإعادة الإنتاج السينمائي.
غياب الإنتاج لسنوات طويلة، خاصة خلال فترة « العشرية السوداء »، أدى إلى فقدان الصورة الحقيقية للجزائر. فقد كانت أفلام مثل « معركة الجزائر »، و »وقائع سنين الجمر » تمنح العالم صورة محترمة عن الجزائر. ومع غياب هذه الصورة، بدأ يظهر تشويش وتضليل عن واقع البلاد. اليوم، نحتاج إلى استعادة هذه الصورة وإيصالها للمتفرّج الداخلي والخارجي، والسينما والتلفزيون لهما دور كبير في ذلك.
** ما هو الدور الذي يمكن للتلفزيون أن يلعبه في هذا السياق، خاصة مع المساعي الحثيثة والجادة لبعث صناعة سينمائية قوية؟
بالنسبة للسينما، يجب إعادة النظر في شبكة العرض والاستغلال. الجزائر كانت قوية بوجود عدد كبير من قاعات السينما، واليوم علينا بناء قاعات متعدّدة الشاشات لتصبح السينما قادرة على تمويل نفسها مستقبلًا.
أما التلفزيون، فهو يحتاج إلى السينما. المسلسلات لها حدود، قد يُحبّها الجمهور في رمضان، لكن على مدار السنة تحتاج البرمجة إلى أفلام تضيف قيمة ومضمونًا. الأفلام تجعل البرمجة أكثر قوّة، وهذا يتطلّب تعاونًا حقيقيًا بين التلفزيون والسينما. إذا ظلّ كلّ طرف يعمل بمعزل عن الآخر فلن ننجح. السينما تحتاج التلفزيون والتلفزيون يحتاج السينما.
** ما هي العقبات التي ترون أنّها تعيق وصول السينما والتلفزيون الجزائريين إلى مستوى عالمي؟
** في الماضي كانت هناك صعوبات، لكن اليوم هناك وعي جديد ومسؤولون يفهمون أهمية السينما في دعم التلفزيون. يتم دعم الإنتاج السينمائي وتشجيع السينمائيين الكبار، بالإضافة إلى المشاركة في إنتاجات مشتركة. عندما يدخل التلفزيون في إنتاج فيلم، تزيد قيمته ويكتسب حضورًا عالميًا، كما حدث مع أعمال رشيد بوشارب، التي قد تصل إلى الأوسكار.
** هل التمويل يمثل عقبة أمام جودة الإنتاج؟
التمويل مرتبط بالإرادة السياسية. عندما تكون الإرادة موجودة، كما هي الحال اليوم، يبقى التنفيذ فقط. إذا تم ترجمة هذه الإرادة على الأرض، فلن تكون هناك مشكلة.
** في اعتقادكم، هل الإنتاجات المشتركة مع الخارج لا تخلّ بالخصوصية المحلية؟
نحن بحاجة إلى الإنتاج المشترك للعودة إلى السوق العالمية، خصوصًا أنّنا فقدنا توزيع أفلامنا. لكن السينمائيين الجزائريين وطنيون وواعون سياسيًا، ولن يمسوا بالخصوصية المحلية.
** ما هو دور النقّاد والسينمائيين في هذه الحركة السينمائية؟
النقّاد لديهم دور كبير، لكن الحل هو التكوين. التكوين الآن له وزن كبير، ويجعل الشباب قادرين على الإنتاج بجودة عالية. عندما تعود القاعات والجمهور، سيكون النقّاد صوت الجمهور الحقيقي.
** في الماستر كلاس تحدّثتم عن « الحرية » في السينما والتلفزيون، ماذا تمثل بالنسبة لكم؟
في التلفزيون هناك مسؤولية أخلاقية ووطنية. لا يمكن عرض أيّ فيلم بدون مراعاة هذه المسؤولية. أما السينما فهي حرية، حيث يختار المتفرج ما يريد مشاهدته. الحرية في السينما تأتي مع الثقة، وأنا أثق بالسينمائيين في احترامهم للحدود، ومع احترامهم للمتفرج.
** نحن على بُعد أيام فقط من بداية سنة جديدا، ماهي آمانيكم، سينمائيا؟
إن شاء الله، السنة القادمة ستكون سنة انطلاق أفلام كبيرة، مثل « الأمير عبد القادر، وفيلم رشيد بوشارب عن التفجيرات النووية برقان وفيلم « محمد بودية » ليوسف محساس، بعد سنوات من التحضير. نتمنى أن تكون سنة مثمرة جدًا للسينما الجزائرية.



