يفتتح المخرج الجزائري الخير زيداني فيلمه الوثائقي « خدمة الموت » (75 دقيقة)، بمشهد يحدد ملامح المكان، ليضع المتلقي منذ اللحظة الأولى داخل البيئة والفضاء الذي تتشكّل فيه القصة، التي عُرضت على جمهور قاعة « كوسموس بيتا » بديوان رياض الفتح.
يعود زيداني إلى قصص حقيقية لشباب اختاروا العمل في الحجارة، كما يقول: « فضّلوا الموت بالحجر على الموت فقرا »، شباب لم يجدوا من مصدر رزق سوى الحجارة التي تزيّن منازل الأغنياء وتشكّل خطرا على حياتهم، وتؤدي في الغالب إلى وفاتهم، ويبدأ المخرج في سرد فكرة الفيلم وربما أيضا مشروع الجمعية التي يسعى لإنشائها، من خلال صديقه نبيل، الذي توفي متأثرا بهذا العمل الخطير.
يجتمع ضحايا هذا المرض لمناقشة مشروع تأسيس جمعية ضحايا السيليكوز، بهدف تقديم الدعم للمتضررين والمساهمة في التوعية والتحسيس بمخاطر هذه الوظيفة أو المهنة، التي يؤكد المخرج أنها العمل الوحيد المتاح في بلدية تكوت الواقعة بولاية باتنة، وفي هذا الإطار يتعاون العربي وأرملة أحد ضحايا السيليكوز لتأسيس الجمعية بشكل فعلي، وتصبح المبادرة خطوة حقيقية نحو حماية العاملين وتسجيل صوت الضحايا على الأقل.
يعد السيليكوز مرضا رئويا خطيرا ينجم عن استنشاق غبار السيليكا المتطاير من الصخور والرمال والخرسانة، ويشكّل تهديدا خاصة على أولئك الذين يعملون في بيئات يكثر فيها هذا الغبار، فالعمال في المحاجر، وورش نحت وصقل الحجارة، وصناعات الرخام والغرانيـت، إضافة إلى من يشتغلون في الخرسانة والسيراميك، يواجهون يوميا جزيئات دقيقة تتسلل إلى الرئتين، ما يجعل مهنتهم من أكثر المهن عرضة لهذا الخطر، ومن هذا المنطلق يتّضح سبب اختيار الخير زيداني عنوان « خدمة الموت » لفيلمه الجديد، الذي يسلّط الضوء على حياة هؤلاء الرجال خاصة الشباب ومخاطر عملهم اليومي في ظلّ انعدام فرص عمل في بلدية تكوت تحديدا.
تدخل كاميرا الخير زيداني إحدى ورشات « صناعة الموت » (قطع الحجارة)، وتزور المرضى على أسرتهم، وتسلّط الضوء على المقترحات المقدّمة لمساعدة الضحايا وعائلاتهم، مع عدم إغفال الجانب الفني والجمالي لتلك القطع التي تزيّن مداخل البيوت والمنازل، جزئية تؤكد أنّ الجمال المشعّ يخفي وراءه ألما صامتا وتضحيات يومية للعاملين الذين يصنعونه بدمهم وعرقهم، ولا يكتفي العربي زيداني في « خدمة الموت » (إنتاج 2025)، بعرض شهادات ضحايا صناعة الحجارة، بل يصعد بالوثائقي إلى ذروته عبر حادثة صادمة لوفاة شاب لم تكن الحجارة رحيمة به، مشهد يجسد بصدق وقسوة كيف تبتلع هذه المهنة أبناءها.



