يُكرّم مهرجان الجزائر الدولي للفيلم، في ختام دورته الـ 12، السينمائي الفلسطيني حنا عطا الله، مؤسس « فيلم لاب فلسطين » ومديرها الفني.
منذ إطلاق المؤسّسة مشروعها عام 2014، واصلت توسيع أنشطتها وبرامجها ورؤيتها، لتشمل تطوير القدرات، ودعم الإنتاج والإنتاج المشترك، كما أسّست « أيام فلسطين السينمائية » التي غدت مهرجانا دوليا يستقطب عروضا أولى لأفلام بارزة، وإلى جانب ذلك تولي « فيلم لاب فلسطين » اهتماما كبيرا بتكوين الجيل الجديد عبر ورشات موجّهة للأطفال، وتسعى في الوقت نفسه إلى تعزيز وتوثيق سردية أصحاب الأرض والحق، إذ يتجاوز طموحها حدود إنتاج الأفلام الفردية ليصل إلى بناء منظومة سينمائية فلسطينية متكاملة ومستدامة، تشمل الإنتاج والعرض وتنمية الجمهور وتطوير البنية التحتية اللازمة.
1/ بعد مرور 25 سنة، تعود إلى الجزائر كمُكرَّم، كيف تصف شعورك تجاه هذه العودة، وما الأثر الذي تركته تجربتك الجزائرية على رؤيتك الفنية للسينما؟
بالفعل، أتذكّر زيارتي للجزائر، أظن في عام 1999 أو 2000، خلال مهرجان تبسة الدولي، وكنت حينها لا أزال طالبا في المعهد العالي للسينما بأكاديمية الفنون في مصر، عُرض مشروع تخرجي من السنة الثالثة في المهرجان، وكنت حاضرا لمتابعة الحدث، قبل الانتقال إلى تبسة، قضينا يومين في الجزائر العاصمة وأقمنا في فندق « الجزائر »، حيث أعادت إليّ هذه الإقامة ذكريات أيام الدراسة وحماسنا كطلاب سينما.
تكريم الجزائر والمهرجان شرف كبير ومفاجأة رائعة، ليس فقط لعرض مشروعي بل لأنّ المهرجان جمعنا مع سينما الثورة والنضال، مثلما جمع السينما الفلسطينية والجزائرية، شعرت بوجود وعي مشترك بيننا كصانعي أفلام فلسطينيين، وأنّ هذه التجربة تمثّل جزءا من النضال الجزائري في السينما والفن، كان هناك العديد من أوجه التشابه بين تجاربنا، على المستويين الفني والسياسي، ما جعل الرحلة تجربة غنية وذات أثر عميق بالنسبة لي.
2كيف ترى دور السينما في تعزيز المقاومة وصون الرواية الفلسطينية للأجيال القادمة؟
القضية الفلسطينية قضية إنسانية بامتياز، وأيّ شخص تحرّري وإنساني هو داعم لها، لذلك في السبعينات، كان هناك العديد من المخرجين العالميين الذين شاركوا في تكوين ما يمكن أن نسميه السينما الفلسطينية في زمن منظمة التحرير، ومن بينهم جان لوك جودار من فرنسا، إضافة إلى مخرجين من الجزائر واليابان ودول أخرى، الذين عملوا مع الفلسطينيين على إنتاج الصورة والتوثيق ونقل الرواية الفلسطينية إلى العالم، في الوقت الحالي أصبحت الصورة سلاح العصر، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ومع وجود محاولات التشويه المستمرة التي تُمارس ضدّ الفلسطينيين وقضيتهم، وحتى ضدّ الفلسطينيين كأفراد، إذا نظرنا إلى الإنتاج السينمائي الغربي، نجد أنّ الصورة الفلسطينية غالبا ما تكون خارج نطاق التحكّم المباشر، ما يجعل إنتاجنا لروايتنا الخاصة ضرورة حيوية.
ما يحدث في غزة اليوم والإبادة التي تُمارس هناك، وأحداثها التي تتداول عالميا، هي التي شكّلت حَراكا عالميا، وأسهمت في تظاهرات ومبادرات داعمة للقضية التي تعزّزت بمساندة مخرجين عرب وعالميين ما زالوا ينتجون أفلاما عن القضية، مثل فيلم ختام مهرجان الجزائر الدولي للسينما « صوت هند رجب » للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وجزء كبير من هذا التضامن يتمثّل في إنتاج الصورة وفهم أهمية الرواية وسردها وضرورة إبقائها حية، فالحفاظ على هذه الرواية يشكّل جزءا أساسيا من الصراع، وهي الطريقة التي نضمن بها نقل الذاكرة الجمعية للأجيال القادمة، لتستمر رحلة النضال ولتظل الرواية الفلسطينية حيّة ومتجدّدة.
3/ بعد « طوفان الأقصى »، شهدت القضية الفلسطينية تحوّلا تاريخيا غير مسبوق، هل تعتقدون أنّ السينما العالمية ستواكب هذا التحوّل وتعكس الرواية الحقيقية للفلسطينيين؟
حرب الإبادة في غزة، كشفت العالم وأظهرت الوهم الذي عشناه بشأن حقوق الإنسان والمؤسّسات الدولية، التي لم تحم الحريات ولا حقوق الأطفال والنساء كما كان متوقّعا، رغم الثمن الباهظ الذي دفعه أهل غزة، بدأت السينما العالمية تلتفت إلى القضية الفلسطينية، بمشاركة نجوم هوليوود، وإنتاج أفلام مثل « صوت هند رجب » المدعوم من براد بيت، وفيلم شيرين دعيبس الأخير « اللي باقي منك »، وفيلم آن ماري جاسر الجديد، ما يفتح أملا لتغيير النظرة العالمية.
اليوم المعركة الأساسية أصبحت معركة صورة، إذ تحاول بعض الجهات قلب الرواية وتشويهها، ما يجعل الحفاظ على الرواية الفلسطينية ونقلها بحياد وعمق أمرا حيويا، وغنى السينما الفلسطينية ينبع من التنوّع في التجارب، لمخرجين داخل فلسطين وخارجها، من المقدسيين وأراضي 48، مثل إيليا سليمان، ومخرجات مثل مها الحاج من الضفة الغربية، ما يعكس القضية الفلسطينية من زوايا مختلفة ويقدّم سردا متكاملا وواقعيا للأجيال القادمة.
4/ يمكن اعتبار مؤسّسة « فيلم لاب فلسطين » شكلا من أشكال الصمود والتوثيق والمقاومة، فإلى أيّ مدى نجحتم في تحقيق الأهداف التي وضعتموها عند تأسيس المشروع؟
أحيانا أرى أنّنا حقّقنا أكثر مما توقعناه، في الوقت الذي قرّرنا تأجيل أيام فلسطين السينمائية في فلسطين، أطلقنا المهرجان حول العالم لمواجهة التشويه الكامل للحقيقة خاصة تجاه الجيل الجديد غير الواعي بالصراع الممتد منذ 75 عاما، في السنة الأولى قدمنا نحو 100 عرض، وفي الثانية وصل العدد إلى 300، أما هذه السنة، فقد بلغ عدد العروض 1043 عرض في يوم واحد حول العالم، برمجة الأفلام كانت جديدة وأخرى مهمة مثل « يد إلهية »، « حالة عشق »، « جنين جنين »، و »لما شفتك »، حيث يركّز كلّ فيلم على قضية محدّدة من الصراع الفلسطيني، لتقديم سرد شامل ومتعدّد الأبعاد للقضية، وتركيزنا الأساسي اليوم في « فيلم لاب فلسطين » هو إعداد جيل يمتلك الوعي ومثقف فكريا وسينمائيا.



