Skip to content

يقدّم المخرج الفرنسي توماس كاستانغ في فيلمه القصير «Veritas» عملاً يختبر فيه الحدود الهشّة بين الحقيقة والتمثيل، بين الواقعة العنيفة كما هي، وبين إعادة تشكيلها داخل فضاء سينمائي تحكمه الرغبة في الكمال. منذ اللحظات الأولى، يضعنا الفيلم أمام سؤال مركزي: « ماذا يحدث حين يصبح المخرج، ذلك الذي يفترض أن يكون سيد العالم المتخيَّل، عاجزاً عن القبض على مشهد واحد يستمد مادته من جريمة حقيقية هزّت شبكات التواصل الاجتماعي؟ ».

يبدو المخرج داخل الفيلم أسير هوسه، عاجزاً عن إيجاد النبرة الصحيحة بين محاكاة العنف وترويضه داخل إطار جمالي. هنا تتجلّى قوة “فيريـتاس”، فهو لا يكتفي بإظهار أزمة فنية، بل يكشف مأزقاً أخلاقياً: أي حق يمتلكه الفن في إعادة إنتاج الألم؟ وأي مسافة ينبغي أن تبقى بين الواقع وكاميرا تُصرّ على اقتحامه؟

الانقلاب الحقيقي يحدث مع ظهور ذلك الفارّ الذي يدخل فجأة إلى موقع التصوير، كعنصر غريب يخرّب النظام الداخلي للفيلم. وجوده لا يربك المخرج فقط، بل يفجّر كل الأسئلة المكبوتة. يتحوّل الرجل الهارب إلى مادة اقتناص، شخصية تُفرض على السيناريو بقوة الصدفة، لتغدو بديلاً عن الممثل، ولتنقلب العملية الإبداعية برمّتها إلى مطاردة بين الحقيقة والوهم.

هنا ينجح كاستانغ في خلق توتر درامي يربك المتلقي ويجعله في مواجهة مباشرة مع هشاشة “سلطة” الإخراج، ومع ميل السينما المعاصرة إلى استغلال أي حدث حيّ، مهما كان فجّاً أو مؤلماً، بحثاً عن “مشهد مثالي”.

أسلوب كاستانغ، الذي تمرّس عبر الإعلانات والفيديو كليبات، يظهر بوضوح في دقة الإيقاع البصري وصرامة تكوين اللقطات. لكن الجديد في هذا العمل هو تلك النزعة التأملية التي تمنحه عمقاً إضافياً، وتكشف رغبة المخرج في تجاوز حدود الحرفة نحو مساءلة أوسع لطبيعة الصورة نفسها. ولعلّ هذا ما ينسجم مع مشاريعه المقبلة التي يشتغل فيها على ثيمة الحلم داخل مجتمع مضطرب، ثيمة حاضرة هنا بشكل خافت، لكنها تؤسس لمرحلة فنية أكثر نضجاً.

“فيريــتاس” ليس مجرد فيلم قصير، إنه تجربة تختبر هشاشتنا أمام ما تبثه الشاشات يومياً من عنف مباشر، وتضع الفن أمام مسؤولية ثقيلة، أن يقول الحقيقة، دون أن يسقط في فخ استهلاكها.