Skip to content

ليست القصبة مجرد حيّ عتيق في قلب الجزائر العاصمة، بل هي ذاكرة مكتوبة بالحجر، ومسارٌ يمتدّ عبر الحضارات والحقب، من الفينيقيين والعثمانيين إلى الفرنسيين فالثورة التحريرية، وصولًا إلى التاريخ السينمائي الذي جعل من أزقتها مسرحًا للصور وحكايات لا تنتهي. هنا، حيث تتداخل العمارة بالتراث وتخفق روح المتوسط، وجدت الكاميرا في القصبة فضاءها الطبيعي من « الملكة الأخيرة » إلى « معركة الجزائر »  و »السطوح »، وغيرها من الأفلام التي أعادت إلى المكان بريقه وخلودَه. وعلى خطى هذا الإرث، نظّم مهرجان الجزائر الدولي للفيلم جولة سياحية لعدد من ضيوف المهرجان لاكتشاف القصبة وتاريخها..

« دار السلطان »…حصن مدينة لا تموت

من فندق « الجزائر » إلى فندق « السويس »، انطلقت الرحلة عبر شارع ديدوش مراد، حيث عبّر الضيوف عن إعجابهم بجمال العاصمة وهدوء سكانها. وعلى وقع الموسيقى الترقية، وصلت الحافلة إلى « باب جديد »، أحد أبواب القصبة العتيقة، لتبدأ الجولة  في « قلعة الجزائر »  أو « دار السلطان » كما يسميها الجزائريون، من مسجد الداي الذي يعكس جمال الزليج والرخام الجزائري، ثم حمامات الإنكشاريين ونادي الجيش الإنكشاري.

وتحوّل النقاش سريعًا إلى فيلم  » الملكة الأخيرة » لعديلة بن ديمراد وداميان  أونوري، الذي أعاد إحياء فترة من الحكم العثماني بكل تفاصيلها. يقول الضيف الصربي نيكيتا نوفاكوفيتش « زيارة هذه المعالم تمنح منظورًا مختلفًا تمامًا. لدينا تراث عثماني في بلغراد أيضًا، لكن رؤية تنوّع التفاصيل هنا وتطابقها يعمّق فهمنا للروح المشتركة ».

عمليات الترميم المتواصلة التي بلغت 70٪ ، لفتت انتباه الجميع، ليتوقف الدليل عند معنى اسم « الجزائر المحروسة » التي قاومت الغزاة عبر الزمن. وفي « دار البارود » استمتع الضيوف بلوحات تجسّد المدن الأثرية الجزائرية.

مرّت الجولة عبر القصبة السفلى وشارع عمر بوكاس حيث روائح الأطباق الشعبية، وصولًا إلى ورشات صناعة الخشب التي حافظت الأجيال على توارثها. يقول الناقد العراقي عدنان حسين أحمد: “فوجئت بالبنايات القديمة التي صمدت رغم الزمن. الأجمل أن الجزائريين حافظوا على ما حاول الفرنسيون طمسه، وهذا شكل من المقاومة السلمية.”

لكل نسخة خصوصية لكن الروح واحدة

أمام مسجد سيدي رمضان، استوقف المنظر الجميع حيث يلتقي البحر بالمدينة في مشهد يختصر جمال العاصمة. وفي شارعي سيدي دريس حميدوش ورشيد خباش، ظهرت الحرف التقليدية والزخرفة الجزائرية بألوانها المتوسطية المتألقة. يقول الناقد الفلسطيني سليم البيك « هندسة القصبة تشبه مدن المتوسط العتيقة، لكل نسخة خصوصيتها، لكن الروح واحدة، وهذا ما يجعل المكان ساحرًا ».

وتواصلت الجولة نحو أحد أهم معالم القصبة، متحف « علي لابوانت » في شارع لخضر  بسة، حيث سقط الشهداء علي، حسيبة، بوحميدي، وعُمار يوم 8 أكتوبر 1957. عند مدخل البيت، الذي ما تزال آثار تفجيره واضحة، تذكّر الضيوف مشاهد فيلم « معركة الجزائر » لجيلو بونتيكورفو. ويقول الناقد العراقي عدنان حسين أحمد وقد بدا متأثرًا « شاهدت الفيلم سابقًا، لكن رؤية المكان الحقيقي تمنح التجربة عمقًا آخر. كان بإمكان فرنسا اعتقالهم، لكنها فضّلت تفجير البيت… وهذا ما يفعله الاستعمار دائمًا ». ويضيف سليم البيك « شاهدت الفيلم مؤخرًا، وكان اكتشاف مواقع تصويره حلمًا بالنسبة لي. القصبة جزء من ذاكرة السينما وذاكرة الثورة ».

لم تنته الجولة بعد، ففي كل زاوية من القصبة فصل من تاريخ الجزائر. من بيوت كانت خلايا للثورة حيث مرّ « الفهود السود » إلى مسجد  « كتشاوة » الذي يقف شاهدًا على محاولات طمس الهوية. 

كما زار الضيوف قصر « مصطفى باشا »، الذي يحتضن المتحف الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط، واطلعوا على تفاصيل الحياة داخله من الأقسام والغرف والحمامات والمنزه المطل على المدينة.

من القصبة، توجّهت المجموعة إلى ساحة الشهداء حيث كشفت حفريات الميترو عن مدينة الجزائر القديمة التي هدمها الاستعمار ليبني فوقها ما نراه اليوم. وكانت المحطة الأخيرة « حصن 23″، أحد معالم البحرية الجزائرية وتاريخها المكتوب بأصوات المدافع وأمواج البحر دفاعًا عن « الجزائر المحروسة ».

يقول سليم البيك في ختام الجولة « كانت الزيارة ممتعة رغم انشغالنا بالمهرجان. محظوظ أنني استطعت تخصيص ثلاث مساعات لاكتشاف هذا المكان الاستثنائي ».

وتظلّ الأزقة الضيقة للقصبة ملهمة، تُحدّث زائرها، فبكل « دويرة » حكاية، من « عمر قتلاتو » إلى « باب الواد » و »السطوح ».