يشكّل مهرجان الجزائر الدولي للفيلم، منصّة مهمّة لتكريم الشخصيات السينمائية المناضلة والداعمة للشعوب المضطهدة وحركات التحرّر حول العالم، وهذا العام كرّم المخرجة الألمانية مونيكا مورير، التي كرّست حياتها للسينما الوثائقية من أجل القضية الفلسطينية، حيث أنجزت أكثر من عشرة أفلام وثائقية، من أبرزها « أطفال فلسطين » (1979)، « لماذا؟ » (1982)، و »فلسطين تحترق » (1988)، ووثّقت جرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين ولبنان، بما في ذلك مجزرة صبرا وشاتيلا، كما رصدت معاناة اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات، لتكون مثالا على الالتزام السينمائي بالقضايا الإنسانية والنضالية.
** ما الذي يجعل الجزائر بالنسبة لك أكثر من مجرّد محطّة عابرة، بل نقطة تحوّل في فهمك للاستعمار والمقاومة؟
في البداية أريد أن أقول إنّني في غاية السعادة بوجودي في الجزائر، هذا البلد لم يكن مجرّد محطة عابرة في حياتي، بل كان مفتاحا أساسيا في تشكل وعيي السياسي، أتذكّر جيّدا أنّ أوّل مرة تعرّضت فيها للضرب على يد الشرطة الفرنسية « وما زالت الندبة على رأسي شاهدة »، كانت أثناء مشاركتي في مظاهرة ضدّ التعذيب في الجزائر إبان الاستعمار الفرنسي، كان ذلك احتجاجا على ما كشفه كتاب « السؤال » للصحفي الفرنسي هنري علاق، الذي مُنع حينها في فرنسا لأنّه عرى بجرأة، فظاعة ما كان يجري داخل المعتقلات، التعذيب المنهجي، القمع، ومحاولة سحق إرادة شعب بأكمله، هنري علاق المعروف بدعمه العميق للثورة الجزائرية وانخراطه في صفوف مناضليها، لم يكتب فقط عن الألم، بل عن بشاعة الاستعمار بوصفه جهازا عنيفا لا يتردّد في تدمير الأجساد والعقول والذاكرة، وما يرويه عن الجزائر يشبه للأسف الشديد ما يعيشه الفلسطينيون اليوم تحت الاحتلال، فالأساليب واحدة، والذهنية نفسها، تعذيب، تهجير، طمس للهوية، ومحو للتاريخ، وسلب لخيرات الشعوب وأرضهم، لقد تعلّمت من الجزائر مبكّرا أنّ الاستعمار ليس مجرّد صراع على الأرض، بل محاولة لامتلاك السردية واغتيال الكرامة، وربما لهذا حين وصلت إلى فلسطين بعد سنوات، كنت مستعدّة لقراءة الوجع والمقاومة بوضوح أكبر، الجزائر كانت البداية والبوصلة التي جعلتني أفهم العالم كما هو، عالم تواجه فيه الشعوب المستعمَرة العنف نفسه، وتخوض معركة واحدة من أجل الحرية والذاكرة والإنسان.
** كيف أسهمت هذه القناعة والالتزام في تشكيل وعيك السياسي والأخلاقي، وجعلتك تتّخذين موقفا صريحا في الدفاع عن فلسطين رغم الضغوط والهويات والسياقات التي كان يمكن أن تمنعك من ذلك؟
تبقى علاقتي بالجزائر مرتبطة ارتباطا عميقا بجذوري السياسية وبالبدايات التي تشكّل فيها وعيي ونشاطي، ومن خلال هذه التجربة أيضا بدأت رحلتي في الدفاع عن القضية الفلسطينية، فقد ساعدتني الجزائر على رؤية العالم بطريقة مختلفة، وجعلتني أطرح أسئلة صعبة حول السياسات التي تنتهجها بعض الدول، ونشاطي من أجل فلسطين بدأ في هذا الإطار، لأنّني بدأت ألمح رؤية لشيء غير عادي إلى حدّ ما في البلد الذي أحمل جواز سفره وهي ألمانيا، ومرات عديدة خاصة في الولايات المتحدة، في المناقشات اليهودية التي أجريتها، كانوا يقولون « كيف تجرؤ ألمانية على أن تكون مع الفلسطينيين؟ »، وكنت دائما أجيب « بالضبط لأنّني ألمانية، يجب أن أكون مع الفلسطينيين، أشعر أنّ مسؤوليتي الأخلاقية تحتّم عليّ أن أنحاز إلى العدالة وحقوق الإنسان حيثما كانت »، إنّها مسألة عدالة أساسية، الإسرائيليون ليسوا شعبا متماسكا، أعني أنّهم تجمّع مشتّت، لقد شجّعتني الجزائر على الدفاع عن الحقيقة مهما كانت مؤلمة وعلّمتني أنّ الانحياز إلى الشعوب المقهورة ليس خيارا سياسيا فحسب، بل موقف إنساني يتجاوز كلّ الهويات والحدود.
** كيف أثرت تجربتك الشخصية وإيمانك بالقضية الفلسطينية على اختياراتك الفنية أو السينمائية، وجعلت من أفلامك وثائق للمعاناة والصمود، حتى في أصعب الظروف مثل صبرا وشاتيلا؟
أنا سعيدة جدا ومسرورة بهذا المهرجان، وبأنّ هذه الدورة تركّز على فلسطين، هذا أمر إلزامي إذا جاز التعبير، ونفس الشيء بالنسبة لكوبا بوصفها ضيف شرف هذه السنة، على فكرة درست في مدرسة السينما الكوبية في سان أنطونيو دي لوس بانيوس في هافانا، إيماني بعدالة القضية الفلسطينية أفرز عشرة أفلام تتعلّق بفلسطين، وكذلك الحرب التي شنّت على لبنان، وثّقت بعضا منها في ستة أفلام، في معسكرات الاعتقال وفي مخيّمات اللاجئين، وكلّها تدور حول البنية التحتية الاجتماعية والطبية والثقافية والتعليمية، لأنّ ما بناه الثوّار كما كنا نسميهم حينها، كان جنينا لدولة فلسطينية مستقبلية، كانت تلك رسالة قويّة للعالم، لقد عقدوا صفقة بأنهم سيبدأون في القصف بعد شهرين من القصف المتواصل لمدة 24 ساعة فقط، إذا غادر جميع الفلسطينيين البلاد، أقصد « المقاتلون الفلسطينيون يغادرون البلاد »، لكن العائلات تُركت، وهكذا حدثت مجازر صبرا وشاتيلا، وهي واحدة في سلسلة طويلة من المذابح ضدّ الفلسطينيين، لأجل هذا وكلّ الذي يحدث أنا ملتزمة جدا مع الفلسطينيين، وسأظل كذلك حتى نهاية حياتي.
** خلال جلسة « السينما كسلاح مقاومة » تحدّثت عن دور السينمائي الدكتور عز الدين شلح في تعزيز المقاومة الثقافية لدى الفلسطينيين حتى في أصعب الظروف، فكيف يمكن للسينما ومبادرات مثل مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة أن تصبح أدوات فعّالة للصمود والمقاومة أمام الظلم والحروب؟
تأتي مبادرة إقامة مهرجان غزّة الدولي لسينما المرأة كخطوة استثنائية، تعدّ معجزة ثقافية وتجسيدا حيا لروح الصمود الفلسطيني، هذه الفكرة انطلقت من الدكتور عز الدين شلح، رئيس مهرجان القدس السينمائي في غزة، الذي كان من المقرر أن يقيم الدورة الخامسة للمهرجان نهاية أكتوبر 2023، رغم الظروف الاستثنائية التي فرضت منذ السابع أكتوبر وتصاعد القصف، اختار شلح مجموعة من المعلّمين والكتّاب والفنانين الملتفين حول المهرجان المضي قدما في تنظيمه، كرمز للمقاومة الثقافية واستمرار الحياة الإبداعية، ولتوثيق هذا التحدي، أنتج فيلما قصيرا مدّته 15 دقيقة بعنوان « استثناء »، يسلّط الضوء على الطريقة التي تمكّن بها القائمون على المهرجان من إنجاحه رغم تدمير الأماكن المعتادة، يظهر الفيلم الجهود البطولية المبذولة، بما في ذلك استخدام عربة يجرها حمار لنقل السجادة الحمراء المخزّنة، مع تعرّضهم لمخاطر حقيقية لإحياء الحدث، مع تدمير جميع المعدات التقنية، يختتم التسجيل بالإشارة إلى قرارهم استخدام شاشة بديلة لمواصلة العرض، مؤكّدين أنّ الإرادة الفنية والثقافية لا يمكن كسرها.



