ما هي رؤية أحمد رياض في إخراجه لفيلم « حدة »؟
أرغب في تقديم رؤية سينمائية جديدة للثورة الجزائرية، حتى يصبح لشبابنا مرجعية، وأعني هنا الأفلام، وأتحدث عن السينما بالأخص، حتى نجذب الشباب الجزائري إلى السينما ونشوقه لمشاهدة أفلام اجتماعية وفكاهية وخاصة ثورية. نحن نركّز على الجانب الثوري، وهذا جميل جداً، لكن الشباب لا يذهب إلى السينما، وعلينا أن نحثّه على مشاهدة أفلامنا، وذلك بمنحه رؤية جديدة. لقد قدّمت في « حدة » فيلماً مثيراً يقوم على التشويق والرعب في فضاء مغلق، وهذه الأفلام قليلة، حتى في العالم لم تُقدَّم أعمال كثيرة من هذه النوعية، وهي أفلام تركت بصمتها. أردت أن أقدم فيلماً من هذا النوع وأصوّر فيه قصة من ثورتنا من نسج الخيال، وأحثّ من خلالها الشباب على مشاهدة أفلام الثورة.
كان عنوان الفيلم « نضالهن ». لماذا اخترتم تغييره إلى « حدة »؟
« نضالهن » وهو العنوان الأول للفيلم، كان يقدم طرحاً مباشراً، أما عنوان « حدة » فخاص جداً ويقدّم الشخصية، وهو أقرب إلى روح الفيلم. كما أن الفيلم يحمل رمزية المرأة، ويركّز أيضاً على ما يقدمه الفرد. لقد صوّرت المرأة التي نسيناها في أفلامنا، وكيف جاهدت بالنفس والنفيس. هناك أفلام تخص الرجال مثل: العربي بن مهيدي، وزيغود يوسف، وكريم بلقاسم، وبن بوالعيد، والعقيد لطفي وغيرهم، لكن لم نر فيلماً يتحدث عن تضحيات المرأة. أعطيت قيمة أكبر لشخصية « حدة »، ومنه جاء العنوان. ومن خلاله نعود إلى رؤيتنا الجديدة؛ فعندما أضع عنوان « حدة » فهذا يخلق نوعاً من التشويق، أما عنوان « نضالهن » فهو مباشر ولا يدفع لمشاهدة الفيلم، بينما عنوان « حدة » يدفع للمشاهدة والبحث عن تفاصيل أكثر. هذه هي الرؤية والهدف الأول الذي أريد الوصول إليه. أما الهدف الثاني فهو تاريخي: تكريم الممرضات إبان الثورة الجزائرية. هذا الموضوع لم نتطرق إليه من قبل نهائياً، ولأول مرة نتناول نضال الممرضات، وكيف نكوّنهن وندفعهن للكفاح. كنّ يجمعن الأدوية ويمتن في الطريق وتحت القصف، وهن في مهنتهن النبيلة، وهي الاهتمام بجرحى المجاهدين في الجبال. تناولنا هذا الموضوع بطريقة حديثة وعصرية.
كيف كان التحضير للفيلم والتحديات التي واجهتكم أثناء تصويره؟
التحضير للفيلم استغرق وقتاً وجهداً كبيرين، لأننا قمنا ببناء منزل برؤية جديدة، وهي رؤية لها ما يبررها. فأنا لا أقدّم أي شيء اعتباطياً، سواء صورة أو إطار تصوير؛ كل شيء له ما يفسّره، وهذه هي المدرسة التي أسير عليها. أنا أقدم فيلماً ملتزماً ينتمي إلى الواقعية، ونسعى عبره لإيصال رسالة، وهذا ما أقوم به في أغلب أعمالي حتى الفكاهية منها. التحضير شمل أيضاً اختيار الممثلين، وإعادة النظر في السيناريو والكتابة والإخراج، وهذا كله تطلّب جهداً مني ومن الطاقم الفني والتقني الذي كان يرافقني، وأشكره كثيراً.
أما التحديات، فأهمها كان بناء المنزل بالشكل المطلوب، وهو ما استغرق وقتاً طويلاً. كذلك كان اختيار الأماكن صعباً جداً، لأن التطور العمراني جعل من المستحيل تقريباً إيجاد فضاءات مناسبة للأعمال التاريخية. نحن بحاجة ملحّة إلى مدينة سينمائية.
واجهتنا أيضاً مشكلة تقلّبات الطقس؛ فقد صوّرنا في نهاية شهر أوت، حيث المطر والحرارة والغيوم تتعاقب بسرعة، وهذا يسبب صعوبات كبيرة يعرفها التقنيون جيداً.
ما هي الرسالة أو الموضوع الرئيس الذي تحاول تسليط الضوء عليه من خلال فيلم « حدة »؟
الرسالة والموضوع الأساسي الذي نسلّط الضوء عليه هو تكريم الممرضات إبان الثورة. ثانياً: المرأة في حد ذاتها. ثالثاً: الثورة ككل، ولكن في قالب جديد وصفحة جديدة تكون مرجعية للأجيال الجديدة، وكيفية العمل على موضوع ثوري تاريخي جزائري حتى يشاهدنا العالم كله. في الفيلم تحدثنا عن الممرضات، وكيف تتم عملية تعليمهن وتنشئتهن على النضال، وكيف تقدم لهن كل القواعد الأساسية. وهذا التعليم لا يتعلق فقط بتقديم الإسعافات، بل يشمل أيضاً التعامل مع السلاح، والارتباك، والقلق، والصدمات، وغيرها من المواقف، بالإضافة إلى الإسعافات الأولية، وكأننا نكوّن رجالاً ونرسلهم إلى ساحة القتال.
ما هي الأبعاد الرمزية التي يمكن أن يراها الجمهور في فيلم « حدة »؟
بالنسبة إلى الأبعاد الرمزية للفيلم: أولاً، « حدة » ليست امرأة فقط، بل هي رمز للصبر، وتمثل الأسرة والأم والحب والأخت. وقد وضعتها ضمن قصة حب، لأنها مثل باقي البشر كانت تحب وتعيش، ولكن بما يقبله الواقع. « حدة » عاشت قصة حب مع زوجها ولديها ابنتها، أي أنها كوّنت أسرة. كما أنها كانت مجاهدة وممرضة أيضاً، وفي النهاية هي فدائية قدمت نفسها من أجل الوطن. وقد قدّمتُها في ملصق الفيلم بوجه ذي نصفين: نصف مظلم يمثل الجانب الخفي من حياتها، ونصف مضيء يمثل الأمل وما سيكون لاحقاً.
ثانياً، البيت: لقد اختصرت الثورة في بيت، أي أنك تشاهد الثورة الجزائرية بمنظار صغير، لكن عندما نسقط القصة على الجزائر، فإن الوضع متشابه، وهو معاناة الشعب الجزائري ككل وصبره وتضحياته. وهذا هو المنظور الرمزي الحقيقي لفيلم « حدة ».
كيف ترى العلاقة بين السينما والفن كوسيلة للتعبير عن القضايا التاريخية أو الاجتماعية والسياسية؟
عندما نقدّم رؤية جديدة للسينما الثورية حتى لا نبقى في لغة صمّاء، سنجعل المشاهد الذي فقد الثقة بالسينما يعود إليها، ويتأثر بها وتعجبه، فيبحث في التاريخ ويحب الثورة والنضال. أريد أن أغرس في قلوب الشباب الجزائري حب التضحية، وما ضحّى به الثوار والشعب الجزائري في الثورة. أنا وطني وأحب الوطن ومن عائلة ثورية، ولا يجب أن نترك الشوائب التي تُبث في مواقع التواصل لتشوّه علاقة الشباب بتاريخهم، بينما نحن أحياناً نقدّم الثورة بلغة لا تصلهم. نحن نساهم في ذلك بتقديم الثورة بلغة صمّاء. علينا تقديم سرد سينمائي جديد. الأستاذ بوشارب بفيلم « إنديجان » غيّر الرؤية. وهناك أفلام كثيرة في العالم أسهمت في ردّ الاعتبار. لا أقول إنه لا يوجد اعتبار، لكن الشباب الجديد تشتتت أفكاره، ويجب استعمال لغة جديدة. هذا الفيلم يجب أن نستغله بكل الطرق لكي يشاهده كل فئات المجتمع، لأنني استعملت فيه التشويق، والمشاهد سيستمتع به، وفي الوقت نفسه سيتلقى الرسائل، من بينها أن نتشبث بجذورنا، ونُبيّن كيف ضحّى آباؤنا من أجل الوطن.



