في هذا الحوار، يفتح المخرج التشيكي بيتر فاكلاف نافذة على رؤيته للسينما ودورها في كشف واقع المهمّشين وغير المرئيين في المجتمعات. ويؤكّد أنّ الشخصيات المنسية أو المُهملة تعكس في الواقع جودة المجتمعات وحساسيتها تجاه الأقليات والضعفاء، وأن حضورهم في السينما يتيح لنا رؤية ما يغفل عنه المجتمع عادة. كما يروي كيف أنّ تجربته الشخصية وانغماسه في حياة هذه الشخصيات كانت مصدر إلهام له في اختيار القصص التي يرويها، وكيف أنّ التحضير للأفلام ودراستها تغيّر حياته وتثري تجربته. من خلال الحوار، يوضح أيضًا أهمية تمكين كل أمة من سرد قصتها عبر السينما، ويؤكد على دور الثقة بالنفس والمعرفة والثقافة في تمكين الشباب من صناعة الأفلام وإيصال رسائلهم بصدق وجرأة.
**ما الذي يجذبك تحديدًا في شخصيات المهمّشين أو غير المرئيين في المجتمعات؟
ما يجذبني هو أنّ الأشخاص الذين تُخفيهم المجتمعات أو تُهملهم يكشفون لنا في الحقيقة عن جودة تلك المجتمعات. فطريقة تعاملنا مع الأقليات، أو الأشخاص الضعفاء، أو حتى الحيوانات، تقول الكثير عن نظرتنا الجماعية وحساسيتنا. وكلّ مرة ننسى فيها أحدًا، قد يعني ذلك أننا نغفل شيئًا مهمًا. وأعتقد أنّ دور المخرجين هو أن يقولوا للآخرين « انتبهوا، هناك شيء يحدث هنا… انظروا ».
**وكيف تؤثر تجربتك الشخصية في اختيار القصص التي ترويها سينمائيا؟
في الواقع، أنا أسمح للقصص والأشخاص والسياقات بالتأثير عليّ أكثر مما أؤثر فيهم. ما أحبه كثيرًا هو أنّ مرحلة التحضير للفيلم وكتابته تغيّر حياتي في كلّ مرة. فهي دائمًا اكتشاف جديد، ومدرسة للحياة، والتزام يثري تجربتي. فعلى سبيل المثال، عندما صنعت فيلمًا عن الملحّن التشيكي جوزيف ميسليفشيك، مؤلف الأوبرا الإيطالية في القرن الثامن عشر، كان عليّ أن أتعلم اللغة الإيطالية وأدرس تاريخ إيطاليا وسياق الأوبرا في تلك الفترة. وقد غيّرتني تلك التجربة بالفعل.
وبالمثل، عندما عملت مع الغجر وعشت بينهم واكتشفت عالمهم، كانت تجربة ثرية جدًا. حاولت أن أستخدم تلك المعرفة لمنحهم مساحة على الشاشة، لأنّهم نادرًا ما يرون أنفسهم ممثلين بإنصاف، وغالبًا يظهرون في نشرات الأخبار باعتبارهم لصوصًا أو مجرمين، بينما لا تُمنح لهم الفرصة ليحكوا قصصهم بأنفسهم.
وأعتقد أنّ كلّ أمة أو جماعة، أيًّا كانت، يجب أن تمتلك القدرة على سرد قصتها من خلال السينما.
**برأيك، كيف يمكن للسينما أن تُحسّس الجمهور تجاه قضايا المهمّشين؟
لا أحب إعطاء الدروس لأحد. أنا أعمل بطريقتي الخاصة، من خلال التعمّق في معرفة الشخصيات وثقافتها والسياق الاجتماعي الذي تعيش فيه. أما القول بما يجب أن تفعله السينما عمومًا فليس دوري.
**وكيف ترى تطوّر سينما الهامش اليوم في أوروبا؟
لا أعرف بدقة، لكن كل عام نرى فيلمًا مهمًا يتناول حياة أشخاص مهمّشين. فمثلًا، في العام الماضي، كان هناك فيلم « حياة سليمان » لبوريس لوجكين في فرنسا، الذي يتتبع بضعة أيام من حياة مهاجر يعمل كعامل توصيل في باريس. هذا النوع من السينما موجود وأعتقد أنه ما يزال حيًا.
**ما التغيير الذي تودّ رؤيته في السينما الأوروبية أو العالمية فيما يتعلق بتمثيل هذه الفئات؟
أود أولًا ألا نفقد التمويلات. أصبح من الصعب أكثر فأكثر الحصول على الدعم لإنتاج الأفلام، فالأفلام الاجتماعية أقل تجاريّة من الأفلام الترفيهية، ونخشى أن نفقد القدرة على صنعها. يجب علينا الحفاظ على ما نملكه في أوروبا والسعي إلى تحسينه… لكن الأمر ليس مضمونًا، فالوضع السياسي والاقتصادي اليوم مقلق للغاية.
**خلال درسك في السينما، شدّدت على أهمية الثقة بالنفس. كيف يمكن لذلك أن يساعد في صناعة فيلم؟
الشباب يحتاجون إلى الثقة بأنفسهم؛ فإذا لم يثقوا بأنفسهم لن يتمكنوا من التقدّم. لكنني قلت أمرين، يجب أن يثقوا بأنفسهم. ويجب أن يدرسوا كثيرًا، ويقرأوا، وينمّوا ثقافتهم، ويحصّنوا أنفسهم فكريًا من أجل كتابة الأفلام وصناعة السينما. من جهة، يجب أن يكون الإنسان صارمًا مع نفسه، ومن جهة أخرى، يجب ألا يفقد الإيمان بما يرغب في تحقيقه. أعتقد أن من واجبي، كمخرج أكبر سنًا وأكثر خبرة، أن أقدّم لهم بعض الشجاعة.



