يبدو من أسلوب التصوير الذي اعتمدته في الوثائقي أنّ لهذه القصة، أو « عناب » تحديدا الواقعة بين تيبازة وعين الدفلى، معنى خاص لديك وأثر في شخصيتك، هل هذا صحيح؟
بالفعل، نشأت في منطقة العامرة حيث نجد « عناب »، التي عانت كثيرا خلال العشرية السوداء، كنت محاطا بأبطال حقيقيين واجهوا الإرهاب ليظل الوطن آمنا، لكلّ واحد منهم قصة تستحق أن تروى، لكن إنجاز أفلام روائية عنهم يتطلب إمكانيات إنتاجية ضخمة وجودة عالية حتى تصل الرسالة بأفضل شكل، وهذا ما لم يكن متاحا، لذلك جاءتني فكرة الاشتغال على هذه الشخصيات من خلال فيلم وثائقي إبداعي، يعتمد في بنائه الدرامي على الحوار بين الشخصيات والصورة فقط، بلا تعليق خارجي وبصور شاعرية ترافق الحكاية، هذا النوع بدا الأنسب لصدق التجربة وعمقها، فعناب هي جزء من تراكمي الشخصي، وجزء من ذاكرة مدينتي، رغبت في أن أشارك هذه القصة مع جمهور واسع لأنّها تستحق أن تُعرف فعلا، فهي تحكي كيف واجه السكان الإرهاب وقسوة الطبيعة، وكيف ظلّ ارتباطهم بالأرض والحياة راسخا، هذا الانتماء قيمة متجذّرة لدى الجزائريين الذين يدافعون عن مناطقهم وهويتهم بكل ما يستطيعون.
كيف تمكنت من الموازنة بين الألم الذي يُثقل القلوب ويخنق الحناجر، وبين الجمالية البصرية التي منحتها للفيلم دون أن تفقده صدقه وقسوته؟
في الوثائقي حاولنا المزج بين جمال الطبيعة وقسوتها في آن واحد، كان هذا التناقض مقصودا، فالفلاحون يعيشون وسط مشاهد ساحرة، لكنهم في الوقت نفسه يواجهون صعوبات قاسية، سواء بسبب الطبيعة نفسها أو بفعل مخلفات الإرهاب التي لا تزال تؤثر على حياتهم اليومية، هذا السعي الدائم في الأرض، بحثا عن الرزق والحياة، لا يخصّ الإنسان وحده، بل تتقاسمه كل الكائنات، لذلك تعمّدت ترجمة هذا المعنى في المشهد الافتتاحي عبر تصوير تلك الحشرة التي تسعى تماما كما يسعى الإنسان، في البداية وضعنا هذا التناقض بين الإنسان والكائن الصغير، وخلقنا لوحة افتتاحية تعبّر عن روح الفيلم قبل الدخول في تفاصيله، من الناحية الفنية كان الهدف تقديم مدخل بصري وشاعري يختصر ثيمة العمل، ومن الناحية الدرامية جاء هذا الافتتاح ليجذب المشاهد ويشد انتباهه منذ اللحظة الأولى، ويدفعه لمتابعة الفيلم بتركيز وفضول أكبر.
إلى أيّ مدى ساهم الاختيار الموسيقي، خاصة توظيف آلة القصبة، في تعزيز الإحساس الدرامي داخل الفيلم ودعم تطور الشخصيات وبناء القصة؟
اشتغلت على الموسيقى لتكون جزءا من الحكاية وليس مجرّد مرافقة صوتية، في الجانب البصري اعتمدنا على الموسيقى الجزائرية، واخترنا آلة القصبة لأنّها الأنسب لروح القصة ووتيرة أحداثها، لدينا تراث موسيقي غنيّ، ومن المهم أن نثري به أفلامنا ونوظّف بالشكل الذي يليق به، الموسيقى الجزائرية بتنوّع طبوعها، تحمل خصوصية كبيرة وعندما تُستخدم في السينما تضيف عمقا وإحساسا مختلفا، أما القصبة المرتبطة بجذور الراي وأنماط موسيقية أخرى فرأيت أنّها الأنسب لوصف تلك الحالات والألم، واستعملتها في الفيلم لمنح الشخصيات حالة شعورية إضافية تعكس ما تعيشه.
يبدأ الفيلم بآثار ومخلّفات الإرهاب التي دفعت السكان إلى هجر القرية، ثم ننتقل إلى مشاهد الحرائق التي التهمت المزارع والأراضي، هناك تفاصيل في الفيلم تشعرنا أنّ القصة تغيرت أثناء التصوير، لأنه لا يمكن، مثلا، افتعال الحرائق
صحيح، فالحرائق جاءت بشكل مفاجئ وغير متوقع، عندما قدمنا مشروع الفيلم لوزارة الثقافة للحصول على تمويل، كان السيناريو مختلفا بنسبة تقارب 70 بالمئة، صحيح أنّ الحرائق كانت جزءا من الفكرة، لأنّ المنطقة تشهدها بين حين وآخر، لكنّها لم تكن يوما بتلك الحدة أو الاتساع، لكن ما حدث غيّر العمل بشكل كبير، اضطررنا إلى الارتجال وإعادة بناء القصة الدرامية، والدخول أكثر في سينما الواقع، واعتمدنا على متابعة التصوير وانتظار تطور الأحداث، وبحكم معرفتي العميقة بالمنطقة وأهلها، كنت واثقا أنهم سيتكاتفون لإعادة إعمار أراضيهم، فهم لم يتراجعوا أمام الإرهاب، فكيف سيتراجعون أمام حريق كهذا، لذلك فور انتهاء الحرائق بدأت في تتبع خطواتهم، ووثقت مرحلة إعادة الإعمار، وصولا إلى النتائج التي كنت أتوقعها مسبقا، لأنني أعرف جيدا معدن هؤلاء الناس وقوة ارتباطهم بأرضهم.



