ضمن عروض المسابقة الرسمية في الدورة الثانية عشرة لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم، أثار الفيلم الإيراني القصير « الوشاح الأسود » (15 دقيقة، انتاج 2024)، الذي عُرض أمس الثلاثاء، بقاعة « كوسموس بيتا »، في ديوان رياض الفتح في العاصمة، صدمة حقيقية لدى الجمهور، بعدما اقتحم ملفّ زواج القاصرات داخل الأرياف الإيرانية بجرأة بصرية ومضمون اجتماعي قاسٍ.
لم يلتجئ المخرج علي رضا شاه حسيني إلى التلميح أو التقنيات الرمزية المواربة، بل اختار مواجهة القضية مباشرة، معتمدًا لغة سينمائية واقعية، وأداءً يضع المشاهد في قلب العنف المسكوت عنه.
يركّز الفيلم على شخصية الأستاذ، الذي يتحوّل من معلّم في قرية فقيرة إلى ضمير يقظ يقاوم مسارًا اجتماعيًا يلتهم طفولة التلميذات. الأستاذ هنا ليس موظفًا يؤدي واجبه الروتيني، بل يصبح رمزًا للمقاومة الأخلاقية في وجه منظومة كاملة تُجيز تزويج طفلات بطريقة أقرب إلى الاتجار بالبشر منها إلى الزواج. هذه الشخصية تشكّل العمود الفقري للفيلم، إذ تواجه الخوف الاجتماعي بثبات نادر، وتصرّ على حماية تلميذاتها ولو على حساب حياته.
اختار المخرج مشاهد صادمة لتجسيد العنف الذي يحيط بالفتيات، أبرزها مشهد حلق شعر طفلة على يد زوجها، في لقطة اختُزلت فيها كلّ أشكال الإذلال والقهر. تصوير الفتاة وهي تُعامَل كغنيمة منزوع عنها الشعور بالإنسانية، جعل الجمهور يعيش اللحظة بحدّتها، وكأنّها حدث حقيقي لا مجرّد مشهد سينمائي.
تبلغ الأزمة ذروتها عندما يحاول الأستاذ تهريب ثلاث فتيات من بطش أزواجهن. ورغم محاولته الشجاعة، تأتي النتائج مؤلمة: الفتاة الأولى تُقتل على يد زوجها، والثانية تُختطف وتُعاد قسرًا إلى جحيمها، فيما تنجو الثالثة فقط، حين يخبّئها الأستاذ في محرّك السيارة في مشهد شديد الرمزية. لم يكن اختيار هذا المكان عبثيًا، بل أراد المخرج القول إنّ النجاة قد تولد من أحلك الظروف، وإنّ الأمل يحتاج إلى جرأة فردية حتى يخرج إلى النور.
بهذا البناء الدرامي، يقدّم « الوشاح الأسود » صورة مركّبة لواقع اجتماعي مضطرب، ويدعو في الوقت نفسه إلى التفكير في دور الفرد داخل المجتمع، خصوصًا أولئك الذين يفترض أن يحملوا مشعل التنوير، مثل المعلّمين. الفيلم يمجّد الفعل الأخلاقي مهما بدا صغيرًا، ويؤكّد أنّ « الأستاذ » الذي ينقذ فتاة واحدة قادر، بالفعل، على إنقاذ مجتمع بأكمله من انحدار فكري خطير.



