Skip to content

قد يحدث أن يمرّ فنانٌ على هذه الأرض فيترك أثرًا لا يشبه أحدًا، أثرًا يلتصق بالناس كما لو أنه خرج من بيوتهم، من أحيائهم، من تفاصيل يومياتهم الصغيرة، ليصبح جزءًا من ذاكرة المجتمع قبل أن يكون جزءًا من الفن. هكذا كان أحمد عيّاد، المولود سنة 1921 في أزفون بولاية تيزي وزو، والمعروف باسم « رويشد »؛ فنانٌ بسيط المظهر، عميق الجوهر، خفيف في حضوره وثقيل في بصمته، استطاع أن يخلق لنفسه مكانًا فريدًا في تاريخ المسرح والسينما الجزائرية، وأن يبقى في ذاكرة شعب بأكمله، ليس فقط لأدواره الكوميدية، بل لقدرته على جعل الضحك نافذة لفهم الإنسان والحياة.

نشأ رويشد في أسرة بسيطة، عاش طفولةً مليئة بالتحديات، حيث لم تكن الظروف المادية تسمح بالراحة أو الترف. التحق بمدرسة « الفتح » في سوسطارة، وتعلّم مبادئ القراءة والكتابة، قبل أن يغادر مقاعد الدراسة في سن الثالثة عشرة، ليبدأ حياة العمل المبكّر، متنقّلًا بين وظائف متواضعة: من صبّاغ إلى بائع خضر، محاولًا إعالة عائلته مثل كثير من أبناء حي القصبة. لكن الحياة التي بدت ضيّقة لم تمنع الحلم، وكان لدى رويشد طموح خفي يختبئ وراء خجله وبساطته، طموح سيقوده إلى خشبة المسرح، حيث سيبدأ تشكيل إرث فني لا يمحى.

لقد كان محمود اسطمبولي من أوائل من لاحظوا تلك الموهبة النادرة، المختبئة خلف خجل خفيف ونظرة شاردة، فدفعه إلى الخشبة عبر مسرحية « استرجع يا عاصي » لعبد الحميد عبابسة، هناك بدأ رويشد ينسج طريقه الفني: أداء عفوي، صدق داخلي، قدرة على تحويل الألم إلى ضحك، وفي الوقت نفسه قدرة على لمس وجدان الجمهور بما يتجاوز حدود الفكاهة التقليدية. في زمن كان الاستعمار يُثقل الحياة نفسها، وجد رويشد طريقه في المسرح ليكون صوتًا للشعب وروحًا للتحدي الفني.

التحق بعد ذلك بعدة فرق مسرحية بارزة، مثل فرقة محيي الدين باشطرزي وفرقة محمد غازي، وشارك في أعمال ستصبح لاحقًا جزءًا من كلاسيكيات المسرح الجزائري، مثل « الأحمق » و »مغامرات بوزيد المهاجر »، أعمال شكّلت مزيجًا من الكوميديا والرؤية النقدية، إذ استطاع رويشد أن يوازن بين الفكاهة والتأمّل، بين الضحك والوجع، ليجعل المسرح منصة لتوثيق الحياة الشعبية، ونقل هموم الناس بصدق وبساطة نادرة.

مع الإغلاق الذي فرضته سلطات الاستعمار على أوبرا الجزائر، لم يتوقّف رويشد عن الإبداع، بل انتقل إلى الإذاعة حيث أبدع أكثر، وأصبح صوتًا مألوفًا في البيوت الجزائرية، إلى جانب نجوم كبار مثل محمد التوري وسيد علي فرناندال. هنا، خلق شخصيات أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية « حسان طيرو، حسان نية، حسان تاكسي »، شخصيات بسيطة لكنّها عميقة، ساخرة لكنّها حنونة، تحمل في طياتها قضايا الإنسان الجزائري، وتروي قصص حياته اليومية بأسلوب كوميدي يمزج بين المرح والصدق، بين التهكّم والرقة.

مع الاستقلال، وجد رويشد فضاءً أوسع في المسرح الوطني الجزائري، حيث قدّم أعمالًا أظهرت نضجًا فنيًا لافتًا ورهافة إنسانية نادرة. ولم يكتف بالمسرح، فقد خاض غمار السينما الجزائرية، وشارك في أفلام أصبح بعضها أيقونات للكوميديا الجزائرية وجزءًا من التراث الوطني، مثل « حسان طيرو » إخراج لخضر حمينة سنة 1967، و »الأفيون والعصا » سنة 1971، ثم « هروب حسان طيرو » سنة 1974، و »حسان نية » سنة 1989، قبل أن يختتم مسيرته السينمائية بفيلم « الظل الأبيض » سنة 1991. في كلّ هذه الأعمال، لم تكن الكوميديا مجرّد وسيلة للترفيه، بل فنّ الإصغاء إلى هشاشة البشر، إلى تفاصيل حياتهم اليومية، إلى أحلامهم الصغيرة ومخاوفهم الكبيرة.

ضحكته لم تكن سريعة أو مفتعلة، بل كانت تأتي متأخّرة قليلًا، كمن يعرف أنّ الفكاهة هي مجرّد غطاء رقيق فوق جراح عميقة. خفته الظاهرة على المسرح كانت تخفي ثقل فنان يرى العالم بعين حسّاسة جدًا، ويستطيع قراءة النفوس البشرية بعمق وحنان.

حين توفي رويشد في 28 جانفي 1999 بالأبيار، لم يرحل اسمه، بل بقي صدى صوته، خطواته الخجولة، ابتسامته الحذرة، وشخصياته التي أصبحت جزءًا من كلّ بيت جزائري. بقيت قدرته المدهشة على صناعة الضحك من دون ابتذال، وعلى قول الحقيقة من دون قسوة، وعلى أن يكون ابن الشعب بحق وبصدق. لقد كان، وما زال، نموذجًا للفنان الحقيقي الذي جمع بين الموهبة والتواضع، بين الفكاهة والعمق الإنساني، بين الترفيه والتأمّل الاجتماعي.

رويشد لم يكن مجرّد ممثل أو كوميدي، بل كان ذاكرة حية، مرآةً لنبض الشارع، وفنانًا صنع تاريخه بموهبته وحدها. لقد منحنا عبر سنوات طويلة نموذجًا للفن الذي يقترب من الحياة، ويحتفل بالبشر ويستوعب تجاربهم، ويجعل من المسرح والسينما مساحة للضحك والبكاء معًا، مساحة لفهم الذات والمجتمع. لذلك، يبقى رويشد، وسيبقى دائمًا، واحدًا من أعظم المبدعين في تاريخ الفن الجزائري، إرثًا حيًا وذكرى لا تموت.