يبدأ فيلم "رُقْية" للمخرج الجزائري يانيس كوسيم، الذي عُرض أمس الأربعاء، بقاعة
"ابن زيدون" برياض الفتح، ضمن مهرجان الجزائر الدولي للفيلم، بلقطة غارقة في
ظلام دامس. لا شيء يُرى، لكن أصوات متقطّعة تُسمع: صرخات مكتومة، همسات
خائفة، وأنفاس لاهثة.
منذ اللحظة الأولى، يعيد الفيلم إلى الذاكرة ظلال سنوات الإرهاب، وتلك الندوب
العميقة التي ما تزال محفورة في وعي المجتمع الجزائري. كوسيم لا يعرض العنف
مباشرة؛ بل يجعلك تشعر به، ومع هذا الإحساس وحده يزرع في قلب المشاهد توترًا
خانقًا، ثقيلًا، ومشبّعًا بالخطر.
في قلب هذا الواقع الممزّق، يظهر الحاج الراقي المسنّ، الذي يمارس طقوس الرقية
تحت أنظار تلميذه سليمان، الشاب الذي يرافقه ويتعلّم منه طقوس العلاج والرقية. يبدو
سليمان قلقًا على معلمه، فيصطحبه إلى الطبيب، فيما تبرز الجارة الحامل وفاء في
حياتهما بعين تمزج بين الخوف والتعاطف. ما يُبرز هشاشة الحياة اليومية وروابط
الجيرة التي تحاول البقاء حيّة وسط عالم يضطرب، ويُظهر كيف يمكن للذكريات
والطقوس الروحية أن تصبح آخر ما يحمي الإنسان من انهيار داخلي شامل.
بالتوازي، تقدّم الكاميرا رحلة أحمد، ربّ الأسرة الذي يعود إلى منزله بعد حادث سير.
وجهه المغطّى بالشاش يرمز إلى فقدان الهوية والهشاشة الجسدية والنفسية. لكن
الصدمة الكبرى تكمن في فقدانه للذاكرة: لا يتعرف إلى زوجته سلمى أو أولاده، ويمرّ
في البيت كما لو كان دخيلًا يكتشف المكان لأوّل مرة. يتنقل الفيلم بين صمت البيت
وهمسات الشخصيات، مرسّخًا شعورًا بالقلق والارتباك الذي يسيطر على الأسرة.
مع حلول الليل، يتجاوز الفيلم الرعب الواقعي إلى رعب رمزي وفانتازي، ظلال
غامضة تقترب من المنزل، تصدح بأصوات بلغة غير مفهومة، وكأنّها تمثّل القوى
الخارجية التي تغلغلت في حياة الجزائريين خلال العشرية السوداء. هذه القوى،
السياسية أو الخرافية، تفرض نفسها بلا دعوة، وتترك أثرها على الناس أكثر من أيّ
اعتداء جسدي مباشر.
في نفس الوقت، يتابع الفيلم حياة الحاج المسنّ؛ فقدان ذاكرته يشكّل مرآة لما يعيشه
أحمد. فالنسيان المتفاقم عند الراقي يردّ على فقدان الذاكرة لدى أحمد، ليشكّل الفيلم
بذلك لوحة متكاملة عن تفكّك المجتمع ومقاومة الإنسان للخوف والذاكرة الضائعة.
سليمان، التلميذ، يصبح شاهدًا ووسيطًا بين الماضي والحاضر، يراقب ويحاول الحفاظ
على ما يمكن إنقاذه من طقوس الحماية الروحية.
ولا يغفل الفيلم الجانب الاجتماعي المعاصر؛ من خلال شخصية امرأة مكسورة الروح
تخاف عودة زوجها الغائب، حيث يُصبح الموت أهون من مواجهة الماضي، وصولًا
إلى حادثة ياسر، الذي ذُبح على يد جاره بسبب خلاف تافه على كرة قدم. هذه المشاهد
الصادمة تسلّط الضوء على تفكّك القيم والروابط الاجتماعية في الجزائر الحديثة،
وتعكس آثار العنف اليومي على النفوس الهشة.
وسط هذا المناخ المشحون، يظهر أحمد كشخصية متوترة وغامضة. حين تسأله سلمى
عن شخص معيّن، ينكر معرفته به، لكن ملامحه المرتبكة تكشف توترًا دفينًا. يتقرب
كوسيم من وجهه في لقطة ضيقة، فيجعل كل رمشة عين وكل لحظة صمت كشفًا
جديدًا، متجسدًا في ذلك حالة الشك وعدم الثقة التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية.
التميز الفني للفيلم يكمن في الإخراج واللغة البصرية: إضاءة خافتة، وجوه جزئية،
لقطات ثابتة، وأصوات همس ورياح واحتكاكات، كلّ ذلك يبني رعبًا متجذّرًا في ثقافة
المجتمع المحلي، بعيدًا عن المؤثرات الهوليوودية التقليدية. الرعب هنا ليس هدفًا بحد
ذاته، بل وسيلة لتجسيد الأشباح النفسية والسياسية والقادمة من الذاكرة التي ما تزال
تحوم فوق حياة الجزائريين.
النهاية كانت مرعبة بامتياز ودموية لا يمكن للقلوب الرهيفة تحمّلها، فبعد يومين من
وفاة الشيخ الراقي، تعود أشباح الماضي لتغتال سليمان ووفاء في خضم ولادة جديدة
يحملها ابن وفاء. هذا الحدث يحوّل نهاية الفيلم إلى لوحة مفتوحة على التأويلات، حيث
يظل المشاهد أمام تساؤلات عن الخوف، الذاكرة، واستمرار دائرة العنف عبر
الأجيال، ليترك الفيلم أثرًا نفسيًا عميقًا وطويلاً في الذاكرة.
بهذا المزج بين الرعب النفسي، الرمزية الفانتازية، والتحليل الاجتماعي، يتحوّل فيلم
"رُقْية" من مجرّد قصة درامية إلى مرآة للذاكرة الجماعية الجزائرية، حيث يجمع بين
الحنين إلى الماضي، الصراع مع الحاضر، والرغبة في مواجهة الأشباح التي تركها
التاريخ. إنه عمل فني متفرد، إنساني، عميق، ويترك أثرًا طويلًا في ذاكرة المشاهد،
كما لو أنّ السينما نفسها تصبح طقسًا اعترافيًا أكثر من كونها مجرّد وسيلة للترفيه.



