Skip to content

عرض بقاعة « كوسموس بيتا » الفيلم الوثائقي « عناب » للمخرج الجزائري عبد الله قادة، الذي افتتح عمله بلقطة رمزية تظهر سعي المخلوقات في الأرض وراء رزقها، مشهد مثقل بالتوقّع والترقّب، يدعو إلى التأمّل ويمهّد للدخول إلى قرية هجرها الكثيرون وبقي فيها المخلصون فقط، ففي عناب كلّ ما خلق يسترزق من الأرض نفسها، وهي الفكرة التي أراد المخرج ترسيخها باعتبارها مصدر الحياة وروح أهلها.

يعلن المخرج في بداية الفيلم المنتج سنة 2025، أنً عمله مهدى خصيصا لأولئك الذين دافعوا عن الأمن والاستقرار وواجهوا الموت بشجاعة كي تستمر الحياة، وللذين ما تزال الندوب تسكن قلوبهم لكنهم لم يتخلوا عن إعادة البناء وبعث الحياة من جديد في مكان استوطنه الإرهاب طويلا، غادره بينما لا يزال شبحه حاضرا إلى اليوم، تأخذنا الكاميرا في مدة 52 دقيقة إلى مكان تتداخل فيه الأصوات المليئة بالخوف مع مشاهد قرية لا تزال تحتفظ بجمالها حتى اليوم، ففي عناب يظل القليل المخلص من السكان متمسكا بالأرض عن قناعة، يعود إليها نهارا ويغادرها ليلا، وكأن الجراح التي مرت بها القرية وباقي القرى لم تلتئم بعد، فعبارة « أملي أن أعود يوما إلى هذا المكان » التي أتت على لسان أحد السكان تلخّص عمق الجرح الذي يسكن القلوب والنفوس معا.

هذه الأرض التي أحرق الإرهاب قلوب سكانها يوما، تحترق مرة أخرى بمن فيها، لحظات مؤلمة وثّقتها كاميرا عبد الله قادة، ملتقطة صدمة الفلاحين الذين ابتلوا في أرضهم وأهلهم من جديد، كانت الشهادات شديدة التأثير، لكن إيمان أصحابها وصمودهم بدا أكبر من حجم المصيبة التي حلت بهم، أما بالنسبة لآخرين فقد كانت الحرائق أقسى من أن تحتمل، فأحدهم وهو يسترجع هول الكارثة، لم يقو على مواجهة ما حصل فسقط مغشيا عليه.

تقبل الفلاحون الواقع كحقيقة وجب التسليم بها، وكانت هذه الخطوة بداية مواجهتهم لمهمة إعادة الحياة إلى قريتهم وأرضهم، ومحاولة تحويل الحرائق إلى ذكرى بعدما أتت على مصدر رزقهم، دون أن تهزم عزيمتهم أو عزيمة شبابهم الذين استعادوا ما فقدوه وكأن شيئا لم يكن، وبين آثار العشرية وبقايا الحرائق، يظهر إخلاصهم للأرض وتمسّكهم بها حد التعلق، فجهود إعادة البناء تبدو انعكاسا حيا لعمق ارتباطهم بهذا المكان الذي وإن غادروه لا يغادرهم.