Skip to content

في “العودة إلى المدينة” (70 دقيقة، إنتاج 2025) يغامر جمال لكحل، القادم من عالم البحث والكتابة لا من مدارس الإخراج، بخوض تجربته السينمائية الأولى، فيوثّق عبر عينٍ متسائلة أكثر منها واثقة، حكاية مدينة تتغيّر وذاكرة تحاول ألا تُمحى. باتنة التي عرفها شابّاً، مدينة صغيرة، نابضة بمشهد ثقافي حيّ، تعود إليه اليوم كمدينة “كبرت” خارج ثقافتها، مدينة فقدت بعضاً من روحها القديمة. ومن هنا يبدو الفيلم أشبه بعودة شخصية، وبحث صامت عن معنى الانتماء، أكثر من كونه مجرّد وثائقي موسيقي.

في Café des Arts—الفضاء الذي يجمع الأجيال—يضع لكحل أربعة موسيقيين في مواجهة ودّية: شابّان يحلمان بتأسيس فرقة روك، وشيخان من السبعينيات كانا يوماً مؤسسي The Play-Boys، واحدة من أقدم فرق البلوز في المنطقة. هذا التلاقي ليس مجرد حوار عابر، بل محاولة لإعادة وصل ما انقطع، لربط مدينة اليوم بظلال ماضيها، ولتذكير جيل جديد بأن الثقافة لا تولد من فراغ، بل من تراكم شغف عاشه من قبلهم.

الفيلم يذهب أبعد من الموسيقى، فهو يلمّح إلى شروخ الزمن في المدن الجزائرية، تلك الهوّة بين ما كانت عليه من حيوية فنية وما أصبحت عليه من خفوت. وكلما قربت الكاميرا من الوجوه والمقاهي والآلات القديمة، يبرز السؤال: هل يمكن لفرقة روك جديدة أن تُعيد للمدينة شيئاً من نبضها المفقود؟ أم أن جيل الرواد يحتاج، هو أيضاً، إلى شرارة الشباب كي يتذكّر ذاته؟

أسلوب لكحل في هذا العمل الأول ليس صدامياً ولا استعراضياً، بل يحمل حسّ الكاتب الذي يراقب قبل أن يحكم، ويحاول أن يُنصت قبل أن يفرض رؤية جاهزة. الفيلم يتحرك بإيقاع هادئ، يسمح للعلاقة بين الجيلين أن تتشكّل ببطء، وأن تكشف ما هو أعمق من مجرّد تعاون موسيقي: هشاشة الحنين، ومرونة الروح، وقدرة الفن على اختصار خمسين عاماً في لحظة عزف مشتركة.

أما في خلفية هذا اللقاء، تلوح المدينة نفسها كأنها الشخصية الخامسة في الفيلم—مدينة تتسع عمرانياً لكنها تضيق ثقافياً، فتدفع مبدعيها إلى الهجرة أو الصمت. وهكذا يصبح “العودة إلى المدينة” عنواناً مضاعفاً: عودة المخرج إلى ذاكرة شبابه، وعودة الروك إلى مدينة كادت تنسى أنها أنجبت موسيقاها الخاصة.

في النهاية، يقدّم جمال لكحل عملاً أول يزاوج بين الشعر والحنين والملاحظة الاجتماعية، ويطرح سؤالاً مؤثراً: هل يكفي جيلان، وفرقة قديمة وأخرى تولد الآن، ليُعاد بناء علاقة مدينة بثقافتها؟ قد لا يقدّم الفيلم جواباً نهائياً، لكنه يعيد فتح الجرح بنعومة… ويمنح باتنة لحظة تأمّل تستحقها.