شهدت المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة، في مهرجان الجزائر الدولي للفيلم، عرض « مشية الغراب » للمخرج خالد بن طبال، وقدّم العمل السينمائي اللافت رؤية إنسانية عميقة حول الصحراء الجزائرية وما تحمله من ذاكرة، وهو فيلم يغوص في العلاقة المركّبة بين الإنسان وإرث أجداده، وبين الحاضر المتسارع والماضي المتجذّر في الرمال.
تدور أحداث الفيلم (38 دقيقة) في عمق الصحراء الهادئة حيث يعيش عبد الهادي (أدى الدور الممثل لخضر شتيوي) مع أسرته محافظًا على عادات الأجداد، متمسّكًا بثقافة البدو التي ورثها جيلًا بعد جيل.
من خلال حوارات بسيطة بين كبار السن، يلتقط الفيلم حالة القلق التي يعيشونها تجاه المستقبل، في ظل تغيّر أحوال الأجيال الجديدة وابتعاد الكثير منها عن طرق العيش في الصحراء. ويبرز خوف عبد الهادي على ابنه سالم الذي قد تجرفه موجة التغيير، ليأتي صوت الشيخ مذكّرًا بضرورة الحفاظ على إرث الأجداد “حتى لا يمشي المرء مشية الغراب فيضيع”.
تزداد المفارقة حين يظهر محمد أو “موح” (أدى الدور الممثل أحمد شتين)، شاب منفصل تماما عن ماضي الاجداد، في لباسه وأفكاره وتعاطيه مع حياة البدو. يدخل إلى عالم عبد الهادي بحجة البحث عن عشبة طبية لمعالجة إحدى قريباته، لكن تطور الأحداث يكشف للمشاهد أن دوافعه ليست كما ادّعى.
في رحلة البحث تلك، يرافق الفيلم محمد إلى عمق الصحراء حيث تنبت العشبة المتوارثة التي يتداوى بها السكان، ويبدأ الشاب، من خلال الاحتكاك بالبدو، في إعادة اكتشاف قيم الكرم والأصالة والبساطة، والأهم « اكتشاف ذاته ». ويضعه المخرج في مواجهة مباشرة مع حدود التكنولوجيا؛ فهناك، وسط الرمال، تتوقف سيارته، ويعجز الـ »جي بي أس » عن إرشاده، فلا يبقى له سوى النجوم وما تعلمه عبد الهادي من أسلافه. لحظة سينمائية صافية تبرز هشاشة التكنولوجيا أمام قسوة الصحراء وروحها القديمة.
يعتمد المخرج على حوار واقعي غير مفتعل، وعلى لقطات شاعرية للصحراء، ليقدّم رسالته دون خطاب مباشر أو وعظ، بل من خلال حالة إنسانية تُظهر أن تقدم الإنسان لا قيمة له إذا انفصل عن جذوره. فالصحراء، بكل جمالها وقسوتها، تعيد الإنسان إلى بدايته، إلى ما تركه الأجداد من خبرة وطرق عيش يجب ألا تُهمل مهما بلغ التطور.
تميز الفيلم بمشاهد للطبيعة الخلابة للصحراء الجزائرية حيث اخذ المخرج لقطات ممتدة وواسعة للرمال تسافر بالمشاهد الى أجواء من السكينة وتعيده الى أحضان الطبيعة التي مهما كانت قسوتها يكفي ان نفهمها لنتكيف مع قوانينها.



