في زمنٍ تبحث فيه السينما الجزائرية عن تجديد علاقتها بقضاياها الكبرى، يبرز صوت المخرج وكاتب السيناريو رابح سليماني بوصفه واحدًا من الأصوات التي تؤمن بأنّ للسينما دورًا يتجاوز حدود الصورة ليبلغ عمق الالتزام الإنساني. فمن خلال تجربته مع مهرجان ارتيفاريتي واحتكاكه المباشر بالصحراويين ومعايشته لتفاصيل يومهم القاسي في مخيمات اللجوء، تشكّلت لديه قناعة راسخة بأن الحكاية لا يمكن أن تُروى بصدق إلا من أصحابها. انطلاقًا من هذه الرؤية، يتحدّث سليماني في هذا الحوار عن الدوافع التي قادته لاكتشاف القضية الصحراوية، وعن مسؤولية السينمائي الجزائري في نقل قصصه وقضايا مجتمعه، ورؤيته لمستقبل السينما الوثائقية في الجزائر، ودوره اليوم في مرافقة الطلبة الصحراويين لصناعة أفلامهم بأنفسهم.
ما الدافع الرئيسي لاختيارك هذا الموضوع؟
الدافع الأساسي هو حبي للسينما. عندما بدأت، كانت لديّ مفاهيم بسيطة بحكم محدودية معرفتي، وكنت أرى أن المخرج الحقيقي يجب أن يكون ملتزمًا بقضية ما. كنت أتابع مخرجين مثل رونيه فوتي وغيره ممن واجهوا قضايا كبيرة، فبدأت أسأل نفسي: ما هي القضية التي يجب أن أتبنّاها؟.
مع الوقت، وجدت الجواب، ولم يكن ذلك صدفة. عندما تضع نفسك في طريق معيّن، تسير فيه حتى يقودك إلى ما تبحث عنه. هكذا وجدت نفسي مرشحًا للمشاركة في مهرجان ارتيفاريتي، وهناك التقيت بالصحراويين، تعرفت على قضيتهم، تحدثت إليهم، وعشت بجانبهم.
شعرت بالاضطهاد الذي يعيشونه، وهذا الإحساس يأتي بسهولة بمجرد أن تعيش مع اللاجئين، تنام في خيامهم، تأكل مما يأكلون، وتختبر معيشتهم القاسية في الصحراء حيث لا شيء، والنهار طويل، والفراغ كبير. بمجرد أن تحس بمعاناتهم اليومية في أمور بسيطة نحن لا نشعر بها في حياتنا العادية، تستيقظ داخلك مشاعر الالتزام. وهذا ما فهمته لاحقًا.
برأيك، ما الدور الذي يجب أن يلعبه السينمائي الجزائري في نقل هذه القضايا للعالم؟
يجب أن نحكي نحن حكاياتنا، لأنه إن لم نفعل ذلك، سيأتي من يرويها مكاننا.
هل هناك مشروع آخر في نفس اتجاه فيلم “وني بيك” أم اكتفيت به؟
لا أستطيع أن أكتفي بفيلم “وني بيك”، لأنه كان مشروعًا مع طلبة مدرسة السينما. وللتوضيح، لست بصدد تصوير فيلم جديد حول الصحراء الغربية الآن، لكنني أعمل على المساهمة بقوة مع الطلبة الصحراويين كي يتمكنوا من إنجاز أفلامهم بأنفسهم، حتى يحكوا حكاياتهم هم أيضًا، ولا يتركوا المجال لغيرهم ليرويها عنهم.
كيف ترى مستقبل السينما الوثائقية في الجزائر؟
نحن نعيش هذا المستقبل اليوم، وهو مستقبل زاهر. لدينا مدرسة قوية في السينما الوثائقية، ولدينا مخرجون محترمون جدًا مثل الخير زيداني وحسان فرحاني ولينا سوالم وغيرهم.
للأسف، نحن كسينمائيين نعرف بعضنا، لكن الجمهور الجزائري لا يعرف هؤلاء المخرجين ولا يعرف الفيلم الوثائقي الجزائري، لأنه لا توجد أماكن يمكن فيها مشاهدة هذه الأعمال.
السينما الوثائقية موجودة بقوة، فكلما شارك فيلم وثائقي جزائري في مهرجان دولي خارج البلاد يفوز بجوائز. أما في الجزائر، فإذا كان علينا فعل شيء، فهو تخصيص فضاءات لعرض هذه الأفلام، سواء في قاعات السينما أو عبر القنوات العمومية والخاصة، تمامًا كما يحدث في العالم.
وهل تعتقد أن هناك جمهورًا للفيلم الوثائقي؟
طبعًا هناك جمهور. لو خرجنا إلى الشارع وسألنا الناس، سنجد الكثير من الجزائريين يشاهدون الأفلام الوثائقية في مختلف القنوات التي تعرضها. هذا النوع من الأفلام محبوب لدى الجمهور ومُتابَع بشكل واسع.



