في إطار المنافسة الرسمية للدورة الثانية عشرة لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم، احتضنت قاعة « كوسموس بيتا » برياض الفتح عرض الفيلم الوثائقي « سودان يا غالي » ومدته 75 دقيقة، للمخرجة والصحفية هند المدب.
يقدّم الفيلم صورة حية عن ثورة السودان من خلال تتبّع أصوات الشباب وتطلّعاتهم إلى التحرّر وصنع مستقبل مختلف، مستعيدا لحظات مفصلية عاشتها شوارع الخرطوم ومدن أخرى بين هتافات جماهيرية وفعل احتجاجي متواصل، ويركّز العمل على رؤية الجيل الجديد الذي كان في مقدّمة الحَراك.
اختيار هند المدب، وهي صحفية في الأساس، انعكس بوضوح على البنية السردية للفيلم، إذ جاء العمل غنيا بالمقابلات المباشرة مع شباب عاشوا الثورة من الداخل، مقدّمين شهادات تتيح قراءة المشهد السوداني من زواياه الأكثر حميمية.. هذا المنحى الصحفي جعل الفيلم وثيقة نابضة تلتقي فيها التجربة الفردية بالقضية العامة.
تميّز الفيلم أيضا بإبراز تيمة المعارضة السياسية عبر الفن؛ فقد تنقلت الكاميرا بين الجداريات والأغاني وعروض الشارع، وتحديدا الشعر الذي احتل مساحة واسعة في النسق الجمالي للعمل .. كثافة النصوص الشعرية بدت انعكاسا لحسّ شخصي لدى المخرجة التي تربت في بيت كان الشعر جزءا من ذاكرته العائلية بحكم أن والدها كان شاعرا.
كما يحضر في الفيلم ملمح ثقافي آخر يتمثل في الحنين إلى البيئة الإفريقية .. وهو حضور يتصل بخلفية المخرجة ذات الأصول التونسية الجزائرية المغربية والمقيمة في فرنسا، هذا المزيج الثقافي أتاح لها مقاربة الثورة السودانية بعين تعي تنوع إفريقيا الثقافي والإنساني، وتبحث في جذورها المشتركة بين الشعوب.
على المستوى الميداني، يكشف « سودان يا غالي » عن شجاعة كبيرة للمخرجة التي لم تتردّد في مرافقة المتظاهرين داخل الشوارع المشتعلة، وظهرت في بعض اللقطات وهي تتعرّض للغاز المسيل للدموع، ما أضفى على الفيلم صدقية عالية ومصدرا إضافيا لحمولته العاطفية.
تقوم نقطة ارتكاز الفيلم على تسخير الفن للتعبير عن السياسي، مقدما فسيفساء من أشكال الإبداع الاحتجاجي التي اعتمدها المتظاهرون لإيصال أصواتهم.. وبذلك يصبح العمل أكثر من مجرد توثيق، إذ يتحول إلى مساحة تتقاطع فيها السياسة مع الجماليات البصرية، ليعيد للثورة ألوانها وأغانيها ووجوهها.



