في إطار المنافسة الرسمية لفعاليات الطبعة الـ12 لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم، قدّم المخرج الفرنسي–الفلسطيني محمد مصباح، أمس الاثنين، وثائقيا قصيرا بعنوان «Still Playing»، بقاعة كوسموس.
يبدأ الفيلم من التفاصيل الصغيرة في حياة رشيد، الأب الفلسطيني الذي يحاول أن يمنح أبناءه توازناً عاطفياً في محيط مشحون بالخوف، الكاميرا تتسلل إلى بيته بخفة، تُصوّر لحظات اللعب، الضحكات القصيرة، ومحاولاته المستمرة لحماية طفليه من قسوة الخارج. هذا الجانب الإنساني هو النواة التي يبني عليها الفيلم رؤيته: أب يحاول أن يبقى «عادياً» في واقع غير عادي.
لكن قوة الفيلم تتجلى حين يفتح المخرج نافذة على العالم الموازي الذي يصنعه رشيد كمصمّم ألعاب. فمن خلال الشاشة، يعيد بطل الفيلم بناء مشاهد الهروب، الاحتماء، الانفجارات الخاطفة، والطرقات المغلقة. وهنا يستثمر المخرج ذكاء الجمهور، خصوصاً جمهور الألعاب، ليحوّل ردود فعلهم الطبيعية—الحماسة، الترقب، التشويق—إلى صدمة أخلاقية: ما يراه اللاعبون عنصراً ممتعاً في اللعبة، هو نفسه ما يعيشه الفلسطينيون يومياً خارج الشاشة.
بهذه المقاربة، يذهب مصباح أبعد من البعد الوثائقي المباشر، ليُظهر كيف يمكن للتكنولوجيا أن تتحوّل من أداة ترفيهية إلى وسيلة لرفع الوعي، بل إلى جسر يعبر من خلاله صوت الشعوب المقهورة نحو جمهور عالمي لا يعيش التجربة ولا يدرك ألمها. اللعبة هنا ليست لعبة، بل خطاب بصري مُشفّر يُعيد ترتيب مواقف المتلقي من القضية الفلسطينية.
الفيلم لا يسعى إلى استعطاف مباشر، بل يترك ذلك يتسرّب من خلال التناقض: طفلان يلعبان بينما يصنع والدهما لعبة عن الخوف… أمّ تحضّر الطعام بينما يسمع صوت طائرة مسيّرة في الخارج… لاعبون حول العالم يصفّقون لمرحلة «صعبة»، بينما هي على الأرض مرحلة « مرعبة ».
هكذا نجح «Still Playing» في تحويل التفاعل العفوي للاعبي الفيديو إلى مساحة لإعادة التفكير في معنى العنف، ومعنى النجاة، ومعنى أن تبقى «تلعب» بينما آخرون يحاولون فقط أن «يبقوا على قيد الحياة».



