Skip to content

في إطار المنافسة الرسمية للطبعة الثانية عشرة لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم، قدم فيلم «مثل قصص الحب» الوثائقي للمخرجة اللبنانية ميريام الحاج، امس الاثنين، تجربة سينمائية استثنائية،  بقاعة كوسموس.

منذ اللحظة الأولى، يدرك المشاهد أنه أمام فسيفساء من المشاعر المتداخلة: أملٌ يطلّ من بين الرماد، خوفٌ ينساب كظلّ طويل فوق الوجوه، طموحٌ ينهض رغم الركام، وأحاسيس لا تُحصى يعيشها الإنسان حين يصبح جزءاً من ثورة مفتوحة على احتمالات كثيرة، الفيلم لا يقدّم شعوراً واحداً ولا خطاً وثائقياً متماسكاً فحسب، بل يقدّم طبقات من الانفعالات تُشبه طبقات الحياة اللبنانية في سنواتها الأكثر اضطراباً.

يعتمد العمل على ثلاث شخصيات من أجيال مختلفة، وفي أزمنة مختلفة، لتشكّل في مجموعها لوحة عن المجتمع اللبناني الممتد بين 2018 وما بعدها: مرحلة احتجاجات، وانفجار بيروت، واستنزاف اقتصادي، وجائحة عالمية، ثم بحث دائم عن معنى البقاء. لكل شخصية توقيتها، لغتها، وجرحها الخاص، وهو ما يمنح الفيلم ديناميكية لا تسمح له بأن يكون «حكاية واحدة»، بل مجموعة حكايات تتقاطع وتتنافر، مثل موجات الشارع نفسه.

هذا التعدد في الشخصيات ليس خيارا سرديا فحسب، بل هو انعكاس مباشر للجو العام الذي صُوّر فيه الفيلم. بنية الفيلم المتشظية تحمل ملامح بلد متشظٍ بدوره. طريقة المونتاج، الانتقالات الحادة حيناً والناعمة حيناً آخر، الأصوات المقتطعة من الشوارع والساحات، وحتى العلاقات الإنسانية المتقطعة… جميعها تحاكي واقعاً غير مستقرّ، وتحوّل العمل إلى تجربة شعورية قبل أن تكون تجربة بصرية.

بهذه البنية، يخرج «مثل قصص الحب» من الإطار الوثائقي التقليدي ليتحوّل إلى مرآة لحقبة كاملة. إنّه ليس مجرد تسجيل لأحداث سياسية واجتماعية، بل توثيق لحالات نفسية وحياتية ستفيد الباحثين في الدراسات السياسية كما في الدراسات السينمائية. من يقرأ الفيلم كوثيقة سياسية سيجد فيه أرشيفاً حياً للشارع اللبناني: أصواته، إيقاعه، فوضاه، وشعاراته. ومن يقرأه كعمل سينمائي سيكتشف لغة بصرية تعتمد على التقاطع أكثر من التسلسل، وعلى الإحساس أكثر من التحليل.

يترك الفيلم لدى المشاهد سؤالاً واحداً: هل العاطفة وحدها يمكن أن تصنع فيلماً عن بلد يتقلب بين الأمل والانكسار؟ يبدو أن ميريام الحاج وجدت الإجابة: نعم، إذا كانت العاطفة هنا هي عاطفة شعب بأكمله، وشهادة جيلين على الأقل، يراقبان بلداً يتأرجح لكنه لا يسقط.