Skip to content

يبرز الفيلم الوثائقي الإيطالي " Padrone e sotto " (المايسترو والخادم) من
إخراج روبرتو كارّو ولوكا روسّومانْدو، كعمل فني ملتزم وقوي، قادر على التقاط
جوهر النضالات اليومية للطبقات الشعبية في نابولي. يمتد الفيلم على مدى 83 دقيقة،
ويتميز بسرد مكثف ومؤثر، يمزج بين الشهادات الشخصية، والملامح الفردية، وإعادة
بناء الواقع الاجتماعي لاستكشاف عالم غالبًا ما يكون غير مرئي للجمهور.
يرتكز السرد على شخصيات محورية مثل أوغو، المراهق البالغ من العمر خمسة
عشر عامًا والذي قُتل أثناء محاولة سرقة، وبيو، شاب من الأحياء الإسبانية يواجه
ظروفًا اقتصادية صعبة وغياب فرص مستقبلية. من خلال هاتين الشخصيتين، يكشف
الفيلم عن تبعات الظلم الاجتماعي والتهميش: الوصم الإعلامي، البطء القضائي، الفقر
الاقتصادي، وصعوبة إيصال الصوت في مجتمع غالبًا ما يبدو أعمى أمام أصوات
الأكثر ضعفًا.
تكمن قوة الفيلم في قدرته على الجمع بين البعد الفردي والجماعي: فالمسارات الفردية
تُدرج ضمن سياق تاريخي واجتماعي أوسع، مستحضرةً الأزمات الاقتصادية التي
شهدتها نابولي في سبعينيات القرن الماضي والنضالات الاجتماعية التي ميزت المدينة
آنذاك. يتيح هذا الربط بين الماضي والحاضر للفيلم تجاوز مجرد تسجيل المعاناة
والفقر، ليطرح تساؤلات حول هياكل السلطة، والتنظيم الاجتماعي، وديناميكيات
التهميش المستمرة.
تتميز رؤية روبرتو كارّو الإخراجية، مدعومة بالتصوير السينمائي الغامر والحساس
الذي قام به بنفسه، بإدخال المشاهد إلى قلب الأحياء الشعبية، دون شعور بالمراقبة أو
المبالغة العاطفية. تعزز الموسيقى التي وضعها أنتونيو رايا الإحساس بالدراما والتأثير
العاطفي، في حين يضمن مونتاج أليسندرا كارْكيدي إيقاعًا سلسًا يحافظ على انتباه
المشاهد مع منح لحظات التأمّل مساحة للتنفس.
يتجاوز " Padrone e sotto " دوره الوثائقي، ليكون فيلمًا يمنح الصوت لأولئك
الذين لا يُسمع لهم صوت. لا يكتفي بعرض الفقر أو الظلم؛ بل يركّز على الجانب
الإنساني، ويقدّم السياق، ويدعو إلى التأمّل في الكرامة والذاكرة وحق الوجود في
مجتمع يميل إلى نسيان مواطنيه الأكثر ضعفًا. إنه سينما تعكس التعاطف والوعي،
تزعج المشاهد، تثيره، وتدفعه للتفكير.

"Padrone e sotto" عملًا مهمًا في مجال السينما الوثائقية الاجتماعية الإيطالية
المعاصرة. فهو يجمع بين الالتزام، والدقة السردية، والحسّ الفني، ليقدّم رؤية حميمة
وسياسية في الوقت نفسه لنابولي وسكانها المهمّشين. إنّه فيلم يترك أثرًا دائمًا، يذكّر
المشاهد أنه وراء كلّ إحصائية، وكلّ حي يُوصم، توجد