Skip to content

في فيلمها الوثائقي « أغنية البقاء للشعوب السامية »، تقدّم المخرجة الأمريكية يارا ليه عملًا يضيء صوت الساميين، الشعب الأصلي الذي عاش لقرون طويلة بين الطبيعة القطبية، وحافظ على لغته وعاداته وعلاقته الروحية بالأرض رغم كلّ محاولات الطمس والتذويب. ويحوّله إلى نداء عالمي، يزاوج بين الشهادة الإنسانية والفعل الثقافي المقاوم.

يأخذ الفيلم، (50 دقيقة)، المشاهد في رحلة داخل عالم غالبًا ما يفلت من عين الإعلام والبحث الأكاديمي. فالشعب السامي، الممتد في مناطق من النرويج والسويد وفنلندا وشمال روسيا، لا يزال يُختزل في صور فولكلورية تُظهره كعنصر غريب أو هامشي، بينما يخوض في الواقع صراعًا معقّدًا ضدّ التمييز، وتدهور البيئة، والضغوط التي تهدّد وجوده اليومي. تنجح يارا ليه في كسر هذه الصورة النمطية عبر بناء بصري متقشّف، يركّز على الوجوه، على الأصوات، وعلى علاقة الإنسان بالأرض.

منذ اللحظات الأولى، يقدّم الفيلم الساميين بوصفهم مجتمعًا حيًا، يتأرجح بين إرث ثقيل وتحديات الحاضر. فالشهادات التي يقدمها الفنانون والنشطاء وحَمَلة التراث تكشف واقعًا متعدد الطبقات؛ واقعًا يضم القلق من اندثار اللغة، والخوف على الأراضي الأجدادية، والغضب من تهميش الأصوات السامية في النقاشات الإسكندنافية الرسمية. هذه التحديات لا تُعرض في الفيلم كحقائق جامدة، بل تأتي من خلال سرد حميمي يضع الإنسان في مقدمة الصورة، حيث يصبح كلّ صوت، وكلّ أغنية، وكلّ تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية جزءًا من قصة شعب يتشبث بوجوده.

يولي الفيلم اهتمامًا خاصًا بعلاقة الساميين بالأرض، لأنها ليست مجرد مساحة جغرافية، بل عنصر وجودي لا ينفصل عن الهوية. تظهر من خلال كاميرا يارا ليه مشاهد الرنّة وهي تتحرك في فضاءات قطبية شاسعة، في توازٍ مع شهادات حول تقلص هذه الأراضي بسبب المشاريع التعدينية والتغير المناخي. هنا لا يبدو الصراع اقتصاديًا فحسب، بل صراع على الذاكرة وعلى الحق في الاستمرار. بهذه المقاربة، يصبح الوثائقي أكثر من مجرد رصد، بل فعل سياسي يعيد طرح سؤال الحقوق الأصلية في عالم يزداد انغلاقًا على نفسه.

كما يبرز الفيلم قوّة الجيل الشاب من الساميين، الذي لا يكتفي بحماية الموروث، بل يعمل على تجديده. تتقاطع الموسيقى التقليدية « اليايك » مع الأنماط الحديثة، وتظهر الأزياء والطقوس في سياقات معاصرة تسعى لفرض رؤية جديدة للهوية السامية بعيدًا عن النظرة المتحفية. هذا التفاعل بين الماضي والحاضر يمنح الوثائقي روحًا نابضة، ويكشف عن شعب لا يريد أن يعيش في الماضي، لكنه يرفض أيضًا التنازل عن جذوره.

اختارت يارا ليه الابتعاد عن الخطابات التوجيهية، فغيّبت الصوت الخارجي تمامًا واعتمدت على شهادات الساميين وصورهم كمرجع وحيد لقراءة الواقع. هذا الأسلوب يمنح الفيلم قوة مضاعفة، لأنه يقدّم الساميين كما يرون أنفسهم، لا كما يريد الآخرون أن يروهم. تتجاوز الكاميرا دورها التقليدي، لتصبح شاهدًا ومحاورًا ومساحة للبوح، وهو ما يمنح الوثائقي صدقًا نادرًا في الأفلام التي تتناول الشعوب الأصلية.