Skip to content

ما الذي دفعك على المستويين الشخصي والإنساني، للعودة إلى مارث بعد رحيل والدك، وكيف أثرت مسألة الهوية وامتياز حرية التنقل في تشكيل رؤيتك لهذا الفيلم؟ 

في الحقيقة، كانت علاقتي بوالدي وثيقة جدا، لذلك عدت إلى أرشيفه، واطلعت على صوره وعلى الأماكن التي صور فيها أفلامه، وبما أنني نصف تونسية ونصف فرنسية، فقد شعرت بعد رحيله بخوف من أن أفقد جزءا من هويتي التونسية، بشكل عفوي بدأت أشاهد أعماله من جديد، وعدت إلى فيلمه عن مارث مرات عدة، ووجدت نفسي أقول: « أريد حقا أن أذهب إلى هناك »، كان شيء ما في هذا العالم يزعجني بشدة، وهو عدم المساواة في حرية التنقل، أنا أمتلك امتياز حمل جوازي سفر، ولم أفهم كيف يمكن لهويتي الإدارية أن تحدّد طريقة معاملتي في العالم، لذلك رغبت في العودة إلى مارث قرية والدي، لأرى ما تغير وما بقي على حاله، ربما زرتها طفلة لكن الأمر يختلف اليوم، شعرت بدافع قويّ للذهاب ورؤية الواقع بنفسي، خاصة مع تزايد موجات الهجرة غير النظامية من تونس وتأثيرها العميق عليّ، في فرنسا وأوروبا كنت أسمع كثيرا عن شمال أفريقيا، ولم يكن ذلك يرضيني، فأردت أن أرى الوجه الآخر للحكاية، وهكذا جاءت فكرة العودة، كانت فرصة لمواصلة ما بدأه والدي بطريقتي الخاصة.

إلى أي حدّ كان شعورك بعدم العدالة والتمييز المرتبط بالصورة النمطية والعنصرية في فرنسا دافعا للعودة إلى مارث وإعادة سرد الحكاية من منظورك الخاص؟

الأمر بالنسبة لي يظل شكلا من أشكال الظلم، فأنا أملك فرصة العيش والتنقل بين فرنسا وتونس، ولا أفهم كيف يسمح للفرنسيين بالمجيء إلى بلدي تونس بكلّ حرية، بينما يحرم التونسيون من حقّ مماثل في بلدي الآخر، هناك فجوة كبيرة تغذّيها الصور النمطية والأفكار المسبقة، في الحقيقة أنا لا أطيق الظلم ولا أستوعب منطقه، لذلك شعرت بالحاجة إلى الحديث عن هذا الواقع، إضافة إلى ذلك يزداد في فرنسا اليوم حضور الخطاب العنصري والفاشي، خاصة تجاه الأشخاص المنحدرين من المستعمرات السابقة، وهذا ما جعل رغبتي في طرح هذا الموضوع أكثر إلحاحا.

اخترت في فيلمك أن يكون الصوت هو العنصر المحوري، وأن تتحول مارث نفسها إلى الشخصية الرئيسية بدل الاعتماد على شخصيات بشرية كما هو معتاد في الأفلام الوثائقية؟

اخترت أن أركّز على الصوت قبل الصورة، لهذا جاء الفيلم بهذا الشكل، من يشاهد العمل يلاحظ غياب الشخصيات بالمعنى المعتاد، لأنّ التركيز كان على مكان واحد، مارث بالنسبة لي كانت الموضوع، وهي الشخصية الرئيسية في الفيلم، أردت أن أسمع صوتها، أن أجعلها تتكلم وتحتل مركز الحكاية، وهذا هو جوهر الفكرة.

كيف أثرت عودتك إلى مارث على شعورك بهويتك التونسية، وما الذي اكتشفته عن نفسك وعن جذورك من خلال هذه التجربة الشخصية والسينمائية؟

في الواقع، كانت زيارتي إلى مارث تجربة شخصية بامتياز، لأنّها تعني لي جزءا من الجذور والأصل، كانت أيضا مغامرة خاصة، إذ رافقني فريق صغير جدا من بينهم ابن عمي، ما جعلني أرى المكان بعينين، عائلية وسينمائية في الوقت نفسه، ومن خلال هذا اللقاء مع أهل مارث ومع المكان نفسه، شعرت بأنني أعود إلى جذوري، خصوصا مع هويتي المختلطة التي تجمع بين تونس وفرنسا، كنت أخشى أحيانا أن أفقد ذلك الجانب التونسي من هويتي، خاصة بعد رحيل والدي، لكن العودة إلى مارث منحتني فرصة لاستعادة هذا الجزء الذي يفتقدني بقدر ما أفتقده، أسعدني كثيرا أن أكون هناك من جديد، لأرى تونس بشكل مختلف، رغم معرفتي لجوانب أخرى منها، لأن مارث تبقى بكل بساطة بيتي الأول.