عُرض بقاعة « كوسموس » أمس، ضمن المنافسة الرسمية لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم الوثائقي البوسني « من سيطرق باب منزلي؟ » (84 دقيقة)، حيث اختارت المخرجة مايا نوكوفيتش مسارًا بصريًا هادئًا ومنسجمًا مع طبيعة الحكاية، ليقدّم في نهاية المطاف عملاً يتجاوز حدود الوثائقي الكلاسيكي ليصبح تأمّلاً في الذاكرة، والوحدة، وفنّ العيش بين الأطلال.
الفيلم يرافق رجلاً مسنًا يعيش في عزلة كاملة على أطراف قرية بوسنية، محاطًا بالثلج والجبال والصمت. في البداية، يبدو المشهد مجرّد تصوير لشخص وحيد اختار الانسحاب من العالم، لكن شيئًا فشيئًا تتكشف خيوط أعمق داخل هذا الهدوء، إذ يتعامل الفيلم مع المكان بوصفه شريكًا في السرد، وليس مجرّد خلفية بصرية. اللقطات الطويلة، وحضور الطبيعة المهيمنة، وحركة الكاميرا البطيئة، كلّها عناصر تنسج علاقة عضوية بين الشعرية والمكان، بين الإحساس والصورة.
مع توالي المشاهد، يكتشف المتفرّج أنّ الشيخ لا يعيش في عزلة صدفة، ولا بدافع رفض المجتمع فقط، بل لأنّ هذا البيت وهذه الطبيعة هما النافذة الأخيرة نحو ذاكرة حفيدة غائبة. تظهر الذكريات بوصفها صدىً بعيدًا، تتشكّل من تفاصيل صغيرة: كرسي مهجور، دمية قديمة، خطوات مشي لا تعود، وصمت ممتدّ يشبه انتظارًا لا ينتهي. عند هذه النقطة، يصبح إدراكنا لهدوء الفيلم مختلفًا: ليست العزلة مجرد وحدة، بل محاولة إنعاش للذاكرة، واستفزازٌ لصور ترفض أن تختفي رغم قسوة الزمن.
تعتمد المخرجة على غياب الحوار تقريبًا، وعلى ترك المشاهد أمام الصورة الخام كي يستقبلها دون وساطة لغوية، الأمر الذي يجعل علاقة الشيخ بالمكان أكثر شفافية، كلّ مشهد يبدو كأنه محاولة لاستعادة حضور الحفيدة، ولو عبر الوهم. في لحظة معينة، يختلط الواقع بالحلم، فتغدو العزلة خيارًا وجوديًا، وتتحوّل الطبيعة إلى مرآة تعكس ما تبقّى من حياة الرجل الداخلية.
« من سيطرق باب منزلي؟ » ليس فيلمًا عن الوحدة بقدر ما هو فيلم عن الذكريات التي تُصرّ على البقاء، وعن علاقة الإنسان بالأماكن التي تأوي ما تبقّى من ذاته. عملٌ يمزج الشعر بالوثيقة، والواقع بالخيال، ويدعو المشاهد إلى الإصغاء للصمت… لأنه أحيانًا، لا يبقى من الذاكرة سوى صدى الطرقات التي قد لا تأتي أبدًا.


