كان رشيد فارس، المولود في 9 مارس 1955، أشبهَ بظلّ يخرج من شاشة سينما، يمشي بين الناس كأنه قادم من عالم آخر. لم يكن حضورُه عادياً، كان يملك ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة، وتلك الملامح التي تحمل في عمقها وعداً خفياً، كأنما وُهب نظرة الممثل قبل أن يعتلي الخشبة. أصدقاؤه الذين لقّبوه « دالاس » لم يخطئوا كثيراً، فيه شيء من أناقة الممثلين الأميركيين، من خطواتهم الواثقة، ومن ذلك البريق الذي يلمع في العيون حين يولد الشغف من تلقاء ذاته.
كبر رشيد فارس في زمن كانت فيه السينما ديانة صغيرة لأطفال الجزائر. كانت القاعات ملاذاً دافئاً، والأضواء التي تهبط من جهاز العرض نافذةً على العالم. هناك، في ذلك الظلام المضيء، شاهد مئات الأفلام. كان يجلس في العتمة بتركيز طفل واعد، يحفظ الوجوه والحركات، يتابع الحوارات كما لو أنّها تُكتب له وحده. وعندما أصبح لاحقاً عاملَ عرض، لم يكتفِ بالنظر إلى الشاشة، صار يرى الفيلم من مصدره، من الضوء نفسه. كان يعيش الفيلم قبل ولادته على الجدار الأبيض، وكأنّه يقلّب أسراراً لا تُمنح إلاّ للمؤمنين الحقيقيين بالفن السابع.
لم يكن رشيد فارس متفرّجاً فقط، بل قارئاً نَهماً لوجوه الممثلين وسيرهم. مرّ بكلّ أنواع السينما التي شكّلت جيلاً كاملاً: الويسترن، أفلام الحرب، الجريمة، الملحمة… وبقدر ما اتّسعت ثقافته، ازداد يقينه بأنّ مكانه ليس في القاعة، بل على الشاشة. كان يمكنه أن يكون ناقداً لامعاً لو أراد، لكن النقد بالنسبة إليه مجرّد هامش، أما المتن فهو التمثيل، ذلك الفضاء الذي يجعله يعيش آلاف الحيوات في حياة واحدة.
بدأ رشيد فارس عبر المسرح، حيث يتكوّن الممثل الحقيقي. وقف إلى جانب عظماء مثل سيد أحمد أقومي، أحمد بن عيسى، وصونيا. تعلّم من الخشبة الصبر، ومن أستاذيه الصدق، ومن التجربة الإنسانية معنى أن تكون الشخصية كائناً حياً يولد من رحم التمرين. ومن هناك، خطا نحو التلفزيون، لكنّه لم يتوقّف عنده طويلاً. كان قلبه يسير نحو السينما، نحو ذلك الحلم الذي رافقه منذ أوّل فيلم شاهده طفلاً.
دخل السينما كما يدخل العاشق إلى معبده. أدواره الأولى كشفت ممثلاً لا يبحث عن بطولات صاخبة، بل عن صدق داخلي يشعل الشخصية من دون أن يصرخ. في « الكلوندستان » كان يمشي في الدور بعمق رجل يعرف أنّ التفاصيل الصغيرة تصنع مصير الإنسان. في « موريتوري » بدت ملامحه كأنها مستقاة من ذاكرة الجزائر نفسها، تلك التي تحمل جمالاً جريحاً وأملاً لا ينطفئ. في « شاي آنيـا » و »الوجه الآخر للمرآة »، كان يقدّم أداءً يشبه الهمس… هدوءٌ يخبئ وراءه شجناً متيناً، وكأنّ السينما معه تتحوّل إلى مرآة داخلية، لا تعكس الوجوه فقط، بل ما وراءها.
آخر ظهور له في فيلم « مصطفى بن بولعيد » لأحمد راشدي لم يكن مجرّد دور، كان وداعاً مهيباً لممثل عاش عمره كلّه وهو يستعدّ لهذه اللحظة. بدا فيه ناضجاً، متصالحاً، عارفاً بأنّ السينما ليست مساحة للتمثيل فقط، بل فضاء للتاريخ والذاكرة، بل للحياة نفسها.
كان الناس يرونه في شارع ديدوش مراد، يمشي بخطوات هادئة كأنّه خارج للتو من لقطة سينمائية لم تُعرض بعد. تلك الصورة، المتكرّرة في ذاكرة المدينة، ليست ذكرى عابرة، إنها جزء من روح الجزائر الثقافية، من زمن كانت فيه السينما حلماً جماعياً يتقاسمه الجميع.
في 20 جوان 2012، أُسدِل الستار على حياته عن عمر 57 عاماً. رحل كما يرحل الممثلون الكبار: بصمت، لكن بصدى طويل. ترك وراءه مسيرة قصيرة في الزمن، لكنها واسعة في أثرها. ترك وجوهاً، أدواراً، ومشاهد لا تُنسى. ترك ما هو أهم..شغفاً ظلّ طازجاً حتى لحظة الرحيل.
رشيد فارس…ممثلٌ أتقن أن يجعل من الشاشة بيتاً، ومن الضوء قدراً، ومن السينما حياةً لا يطويها الموت.



