يبدو أحمد بجاوي، الناقد السينمائي الجزائري، أشبه بحارس يقف عند بوابة الذاكرة، يلتقط التفاصيل التي تفلت من الضجيج اليومي، ويعيد ترتيبها في سرديات تحفظ لتجربة السينما الجزائرية معناها وعمقها، وتكشف عن طبقاتها الثقافية والسياسية والجمالية.
صوته الهادئ وطريقته الدقيقة في تفكيك الأفلام كما لو كان يفكّ شيفرة نص فلسفي، جعلته واحداً من أبرز الوجوه التي منحت النقد السينمائي في الجزائر مكانة تتجاوز التعليق العابر، إلى بناء رؤية متكاملة تربط الفن السابع بتاريخ المجتمع، بصيرورته الثقافية، وبتحوّلاته السياسية.
وإذا كان كثيرون قد تعرفوا عليه ناقداً ومفكراً، فإن أجيالاً كاملة اكتشفته من خلال برنامج Télé Ciné Club الذي قدّمه على شاشة التلفزيون الجزائري بين 1969 و1989، والذي أصبح بحق مدرسة سينمائية متكاملة. فقد امتاز البرنامج بمحتواه الراقي، بضيوفه من مستوى عالمي، وبمقدّم يمتلك ثقافة سينمائية واسعة وعميقة، وقدرة استثنائية على تبسيط الأفكار دون تفريط، وتحويل كلّ فيلم إلى نصّ قابل للتحليل والنقاش، بما يجمع بين الوعي الجمالي والإدراك الاجتماعي والسياسي.
وقد أُنجز البرنامج إخراجياً على يد الراحل يوسف بوشوشي، وكان لكلّ حلقة طابعها الخاص، حيث كان بجاوي يحسن تقديم الكلاسيكيات العالمية، ويفتح أبواب التحليل أمام الجمهور، متيحاً له رؤية ما وراء الصورة، وتعلّم كيفية تفكيك الرموز السينمائية وفهم بناء الفيلم من الداخل، بدءاً من الإطار السينمائي وصولاً إلى البنية الرمزية. كانت تلك الأمسية التلفزيونية الأسبوعية، كل يوم ثلاثاء، موعداً مع معرفة سينمائية متجدّدة، وبفضله تشرّبت أجيال كاملة حبّ الفن السابع، وبدأت تتشكّل وعيها النقدي بأسلوب منهجي، يقارن بين التجارب المحلية والدولية ويكشف أبعاد السينما بوصفها مرآة للواقع والتحوّلات المجتمعية.
لم يتعامل بجاوي مع السينما بوصفها مجرّد متعة بصرية، بل كحقل معرفي متعدّد المستويات، قادر على فتح نقاشات تتقاطع فيها الأسئلة الجمالية مع الانشغالات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ويصبح الفيلم أداة لفهم الذات الجمعية ومساءلة التاريخ. ومن خلفية أكاديمية صلبة، صاغ علاقة متوازنة بين النقد النظري والممارسة الميدانية، مقدّماً خطاباً نقدياً متيناً يزاوج بين التحليل العميق والوعي بتاريخ السينما الجزائرية ومساراتها المضطربة، ما جعله مرجعاً أساسياً لكلّ من أراد الغوص في عمق التجربة السينمائية المحلية وربطها بالمشهد العالمي.
وُلد بجاوي في زمن كانت البلاد تعيد كتابة مصيرها، ومع تحوّلات السبعينيات والثمانينيات التي شهدت صعود السينما الجزائرية إلى الواجهة الدولية، أدرك أنّ الصورة يمكن أن تكون سلاحاً معرفياً، ووسيلة لفهم الذات الجمعية، ومجالاً لمساءلة القيم والتاريخ. هكذا تدرّج اهتمامه بالفن السابع من المشاهدة الشغوفة إلى البحث والتحليل، ومن ثم التدريس وإعداد البرامج التلفزيونية والكتب المرجعية، التي أصبحت جزءاً من خزّان الذاكرة السينمائية الجزائرية والعربية، ومراجع لا غنى عنها للباحثين والنقّاد والمبدعين، على حدّ سواء.
ولا يتعامل بجاوي مع الأفلام كمنتجات منفصلة عن سياقها، بل ككائنات حيّة تنبض بتاريخ صانعيها وبالتحوّلات المجتمعية والسياسية التي أنتجتها، ومن ثم يمتاز تحليلُه النقدي بالربط الدائم بين البنية الفنية للفيلم وعمقه الرمزي، بين الحكاية وطبقاتها الخفية، بين الصورة والرسالة، بين الإبداع الفردي والإطار الاجتماعي. وحين يكتب، لا يكتفي بوصف ما يظهر على الشاشة، بل يتوغّل خلف الصورة ليكشف الأسئلة الخفية، والخيارات الجمالية الدقيقة التي تصنع الفرق بين فيلم عابر وفيلم يبقى، وبين تجربة سينمائية تقليدية وتجربة تنطوي على معنى تاريخي وفني عميق.
اشتغل طوال مساره على إعادة قراءة السينما الجزائرية بعين نقدية هادئة، بعيدة عن الانطباعية أو المجاملة، مؤمناً بأنّ تطوّر السينما لا يتحقّق في غياب نقد صريح، صلب، قادر على تسمية الأشياء بأسمائها، وعلى طرح الأسئلة التي قد تُزعج المؤسّسات أحياناً وتحرّك الوسط السينمائي نحو التغيير والتجدد.
ولم يكن بجاوي مجرد ناقد مكتبي، بل فاعلاً مباشراً في الحياة السينمائية، من خلال مشاركته في لجان التحكيم، وإشرافه العلمي على نقاشات وورشات، ومساهمته في توجيه أجيال من الطلبة والصحفيين نحو فهم أعمق وأدق للفيلم. في لقاءاته، يبدو معلّماً أكثر منه محاضراً؛ ينصت طويلاً، يصوغ أفكاره بوضوح يبتعد عن التعقيد المفتعل، كأنّه يقول إنّ « النقد الحقيقي هو ذاك الذي يُبسّط دون أن يبتذل، ويطرح السؤال قبل أن يقدّم الإجابة، ويترك مساحة للتفكير قبل أن يفرض التفسير ».
يواصل بجاوي حديثه عن التحوّلات التي تمسّ القطاع، وعن ضرورة إعادة الاعتبار لقاعات السينما، لتستعيد الجماهير شغفها بالفرجة الجماعية، كما يؤكد أنّ التكنولوجيا غيّرت طرق الإنتاج والتلقي، وأن الجزائر بحاجة إلى رؤية ثقافية طويلة المدى، لا إلى مبادرات ظرفية متفرقة، بما يضمن استدامة الفن السابع كرافد معرفي وحضاري.
ورغم التحولات العميقة التي عرفها المشهد السينمائي، بقي بجاوي ممسكاً بخيط التحليل الهادئ، منشغلاً أكثر بطرح الأسئلة من البحث عن إجابات جاهزة. فبالنسبة إليه، كل فيلم هو امتحان جديد، ومجال مفتوح للاستكشاف ، وهذا الفكر، تحوّل اسم أحمد بجاوي إلى مرجع، ليس لأنّه الأكثر صخباً أو حضوراً إعلامياً، بل لأنّه الأعمق أثراً، والأكثر وفاءً لفكرة النقد كجسر يربط الفن بالحياة، كمرآة صادقة ترى فيها السينما الجزائرية نفسها، وتجد في ملاحظاته طريقاً نحو مستقبل أكثر نضجاً، وأكثر وعياً بتاريخها وفنونها وشرطها الاجتماعي والثقافي.
اليوم، بعد مسار طويل، لا يزال يكتب، يُدرّس، يحاضر، ويوثّق، مواصلاً مهمته الأصلية، أن يمنح للسينما الجزائرية صوتاً صادقاً، وفهماً نقدياً معمّقاً، وفضاءً للحوار المستمر مع نفسها ومع العالم.



