وردية السيدة التي دخلت السينما بلا إذن…فملكت القلوب
من منّا لا يتذكر تلك اللقطة الشهيرة في الطاكسي؟ من منّا ينسى تلك اللحظة في “الطاكسي المخفي” حين وقفت تلك المرأة القوية، بعينين تقدحان غضبًا وكرامة، تصرخ دفاعًا عن ابنها: “واش خصّو وليدي؟ كي البوبون!”. كانت تلك الجملة القصيرة كافية لتفرض الراحلة وردية حميطوش حضورها، حتى أمام هيبة عثمان عريوات. لم تكن تحتاج إلى مقدمات ولا إلى مساحة طويلة في الكادر؛ كانت تحتاج فقط إلى أن تكون هي… وردية، المرأة التي جاءت من عمق الناس.
ولدت وردية في زمن كان فيه الفقر جزءًا طبيعيًا من الحياة، وكانت المرأة مطالبة بأن تنضج قبل أوانها. تزوجت صغيرة، ودخلت معترك المسؤوليات وهي بعدُ في سن الطفولة. تلك التجارب المبكرة صنعت فيها طبقة صلبة، قوة داخلية غير متصنّعة ستظهر لاحقًا في كل دور أدّته. حين كانت تقف أمام الكاميرا لم تكن تمثّل امرأة قوية… كانت تعيد إنتاج حياتها اليومية كما عاشتها.
عملت وردية بمستشفى مصطفى باشا في قلب العاصمة. لم يكن ذلك مجرد وظيفة، بل مدرسة اجتماعية واسعة صقلت إنسانيتها قبل فنّها. هناك، بين ردهات الطوارئ وغرف المرضى والممرات المكتظة، عرفت أصناف البشر جميعًا: الفقير الذي جاء بآخر ما تبقى من أمله، المرأة البسيطة التي تواسي أبناءها، الشيخ الذي يجرّ خلفه عمرًا من التعب، الطبيب المتوتر، الممرضة الصارمة، العائلة التي تبكي والأخرى التي تحتفل بنجاة مريض. ذلك الاحتكاك اليومي بمختلف طبقات المجتمع منحها قدرة نادرة على قراءة الناس، وعلى فهم نبراتهم وردود أفعالهم وطريقة كلامهم وحين جاءت إلى الشاشة، جاءت محمّلة بكل تلك التفاصيل الدقيقة التي لا يقدر أي معهد سينما أن يعلّمها.
كانت وردية جزءًا من جيل سينمائي جزائري جميل، جيل بسيط لا يعرف الادّعاء. ممثلون جاؤوا إلى الفن من الحياة لا من الدراسة، فكانوا قادرين على تمثيل مجتمعهم لأنهم عاشوه قبل أن يؤدّوه. وردية كانت تجسيدًا نقيًا لهذا الجيل؛ امرأة لا تقول “أنا أمثّل دور الشعب” بل هي نفسها ابنة هذا الشعب. كانت تدخل المشهد بلهجتها وحركاتها العفوية، فيشعر المشاهد أن الكاميرا التقطت واقعه هو، لا أداء ممثلة.
في كل أعمالها تقريبًا، أدّت أدوار المرأة القوية، لكن قوة وردية لم تكن “سينمائية”، بل إنسانية. قوة امرأة عاشت الزواج المبكر، والعمل المتعب، والاحتكاك اليومي بالناس، والفقر، والخوف، والاعتناء بالأسرة. لذلك، حين كانت تصرخ أو تتحدى أو تضحك أو تبكي على الشاشة، لم يكن في أدائها أثر للتكلف. كانت قوتها تأتي من مكان أعمق… مكان يشبه الأمهات القادرات على تحريك البيت كله بمجرد نظرة أو جملة حاسمة.
اقتحمت وردية الكوميديا في مرحلة لم تكن فيها المرأة حاضرة إلا قليلًا. دخولها هذا العالم كان في ذاته فعل جرأة، لأن الكوميديا الشعبية حينها كانت ساحة مفتوحة للرجال فقط. ولكن وردية لم تطلب إذنًا من أحد. دخلت بطريقتها، بضحكتها الجريئة، بتلك العفوية التي كسرت الحواجز. كانت تقول ما لا يجرؤ كثيرون على قوله، وتمزح بما يشبه الناس، وتحضر في المشهد بكل ثقل شخصيتها، فتصبح محطّ أنظار الجميع دون أن تبحث عن ذلك.
لم تكن وردية نجمة بالطريقة التي نعرفها اليوم، لكنها كانت وجهًا يعرفه كل بيت. حضورها السريع، وصدقها، وقدرتها على اختزال روح الجزائرية البسيطة جعلتها جزءًا من ذاكرة السينما، من ذلك الجيل الذي لم يلمع بسبب كاميرات الصحافة، بل بسبب قربه الحقيقي من الناس. وحين رحلت مبكرًا، ظلّ حضورها معلّقًا في الذاكرة، كأنها لم تغادر. يكفي أن نسمع تلك الجملة مجددًا — “واش خصّو ولدي؟ كي البوبون!” — حتى تقف أمامنا امرأة خرجت من قلب المستشفى والحيّ الشعبي، ووجدت نفسها فجأة تقف في قلب الشاشة، لتثبت أن الفن لا يحتاج إلى نجومية… بل يحتاج فقط إلى صدق.