بعد تجاربك السابقة في الأفلام القصيرة والوثائقية، يأتي “قصة الخريف” كأول فيلم روائي طويل لك. كيف عشت هذا الانتقال؟
الفيلم الروائي الطويل هو الأصعب بين الفئات السينمائية، وربما يعود ذلك إلى أن خلفيّتي ليست سينمائية بل قانونية، قبل أن أقرر تغيير المسار ودراسة الإخراج في أكاديمية الأستاذ رأفت الميهي. ومن الطبيعي أن يأتي التدرج: فيلم قصير، ثم وثائقي، ثم وثائقي قصير شاركتُ به في مهرجانات محلية وإقليمية، وحصلتُ على بعض الجوائز. من هنا جاءت الخطوة الطبيعية لإنجاز فيلم روائي طويل.
حين بدأتُ العمل على الفيلم كنتُ أرغب في أن يخرج بالشكل الذي شاهدتموه، لكن التيمة ليست من النوع المفضّل لدى صناديق الدعم المحلية أو الإقليمية أو الدولية التي تميل غالباً إلى موضوعات معينة. لذلك قررتُ خوض المغامرة بجهود ذاتية، وبمساعدة مجموعة من الأصدقاء والزملاء، من دون أي دعم مؤسسي، وبتمويل خاص.
هذا النوع من المغامرات يحتاج وقتاً طويلاً. فقد استغرق العمل سبع سنوات، بدءاً من تطوير السيناريو مع أستاذتي، إلى جمع الفريق الفني الذي وافق على التجربة بأجور رمزية أو مؤجلة. وتحمّلتُ مسؤوليات كثيرة: كنت الكاتب والمخرج والمنتج والمنفذ والموزع، وتولّيت تقديم الفيلم للمهرجانات. التحدّي كان مرهقاً، خصوصاً أنني لا أملك خلفي منتجين كباراً أو موزعين.
طموحي الأكبر كان أن يرى الفيلم النور وأن يُعرض في مهرجانات مرموقة. حصوله على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان الإسكندرية كان أمراً مشجّعاً. فالمنظومة السائدة تمنح الأفضلية عادة للأسماء الكبيرة أو للأفلام ذات الموضوعات “الساخنة”، بينما تمرّ الأعمال الحسّاسة والبسيطة بهدوء. لذلك فإن قبول الفيلم في مهرجان الجزائر الدولي للفيلم، وفي مسابقة رسمية قوية، هو بحد ذاته تكريم. وكل صانع أفلام يتمنى أن يُعرض فيلمه وأن يلقى تفاعلاً من الجمهور.
ما الذي دفعك لاختيار موضوع الاغتراب والوحدة؟
موضوع الاغتراب والوحدة واسع ويمكن من خلاله التطرّق إلى قضايا عديدة. المرض في الفيلم ليس هو الجوهر، بل مجرد مدخل درامي يمكن استبداله بأي عنصر آخر يؤدي الوظيفة نفسها. التجربة التي عايشتها مع المتعايشين في مصر كانت حاضرة في ذهني، وهذا واقع ليس سهلاً.
لكن الأساس بالنسبة إليّ هو فكرة الوحدة والاغتراب. شخصيات الفيلم تنتمي إلى طبقات اجتماعية مختلفة وخلفيات ثقافية ودينية متنوعة، لكنها تشترك جميعاً في الشعور ذاته: العزلة والبحث عن صوت. هذا إحساس عالمي يختبره أي إنسان في أي مكان.
السينما تستطيع أن تمنح صوتاً لمن لا صوت له، لكن من دون فجاجة أو ابتذال، بل عبر لغة هادئة وبسيطة. وهذا ما كان يشغلني: كيف أتناول الاغتراب والوحدة داخل إطار يسمح للمشاهد بأن يتوحّد مع الشخصيات.
هنّأتُك بعد العرض على السيناريو، فقد كان واضحاً ومنطقياً والجمهور تفاعل معه. لكن على المستوى التقني بدوتَ متحفّظاً. أليس هذا نوعاً من المجازفة؟
برأيي، النص هو الحامل الأساسي للمشاعر والأهداف، إلى جانب أداء الممثلين. لذلك فضّلتُ أن يكون الجانب التقني بسيطاً. الأدوات يمكن اللعب بها بسهولة، لكن السؤال: هل تحتاج الدراما ذلك؟ السيناريو لم يحتج موسيقى ضخمة أو إيقاعاً سريعاً أو ألواناً صاخبة. حتى الملابس والديكور أردتهما بسيطين. أنا أحب الأسلوب “المينيمالي” ولا أميل إلى المبالغة.
وفي أي مدرسة سينمائية نتعلم قاعدة واضحة: لو أعطيتِ النص نفسه لثلاثة مخرجين، ومع الممثلين أنفسهم، سيخرج ثلاثة أفلام مختلفة تماماً. زاوية النظر هي الفارق. بالنسبة إليّ، التقنية يجب أن تخدم الدراما، لا العكس. وأظنّ أنك تتفقين معي في ذلك.
قلتَ في النقاش بعد العرض إن السينما الجزائرية ملهمة. كيف ذلك؟
بالطبع هي ملهمة. يكفي أن نذكر أسماء مثل محمد الأخضر حمينة وأحمد راشدي. وربما تعلمين أن الأستاذ راشدي كان وراء باكورة إنتاج يوسف شاهين ضمن شركة “أفلام مصر العربية”، ومن بينها فيلم العصفور الذي يُعد من أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما حسب تصنيفات عربية ودولية. السينما الجزائرية تركت أثراً كبيراً، وهي بالفعل مصدر إلهام لصنّاع الأفلام.