décembre 2025
وثائقي « العودة إلى المدينة »..أنغام الذاكرة المختبئة
في “العودة إلى المدينة” (70 دقيقة، إنتاج 2025) يغامر جمال لكحل، القادم من عالم البحث والكتابة لا من مدارس الإخراج، بخوض تجربته السينمائية الأولى، فيوثّق عبر عينٍ متسائلة أكثر منها واثقة، حكاية مدينة تتغيّر وذاكرة تحاول ألا تُمحى. باتنة التي عرفها شابّاً، مدينة صغيرة، نابضة بمشهد ثقافي حيّ، تعود إليه اليوم كمدينة “كبرت” خارج ثقافتها، مدينة فقدت بعضاً من روحها القديمة. ومن هنا يبدو الفيلم أشبه بعودة شخصية، وبحث صامت عن معنى الانتماء، أكثر من كونه مجرّد وثائقي موسيقي.
في Café des Arts—الفضاء الذي يجمع الأجيال—يضع لكحل أربعة موسيقيين في مواجهة ودّية: شابّان يحلمان بتأسيس فرقة روك، وشيخان من السبعينيات كانا يوماً مؤسسي The Play-Boys، واحدة من أقدم فرق البلوز في المنطقة. هذا التلاقي ليس مجرد حوار عابر، بل محاولة لإعادة وصل ما انقطع، لربط مدينة اليوم بظلال ماضيها، ولتذكير جيل جديد بأن الثقافة لا تولد من فراغ، بل من تراكم شغف عاشه من قبلهم.
الفيلم يذهب أبعد من الموسيقى، فهو يلمّح إلى شروخ الزمن في المدن الجزائرية، تلك الهوّة بين ما كانت عليه من حيوية فنية وما أصبحت عليه من خفوت. وكلما قربت الكاميرا من الوجوه والمقاهي والآلات القديمة، يبرز السؤال: هل يمكن لفرقة روك جديدة أن تُعيد للمدينة شيئاً من نبضها المفقود؟ أم أن جيل الرواد يحتاج، هو أيضاً، إلى شرارة الشباب كي يتذكّر ذاته؟
أسلوب لكحل في هذا العمل الأول ليس صدامياً ولا استعراضياً، بل يحمل حسّ الكاتب الذي يراقب قبل أن يحكم، ويحاول أن يُنصت قبل أن يفرض رؤية جاهزة. الفيلم يتحرك بإيقاع هادئ، يسمح للعلاقة بين الجيلين أن تتشكّل ببطء، وأن تكشف ما هو أعمق من مجرّد تعاون موسيقي: هشاشة الحنين، ومرونة الروح، وقدرة الفن على اختصار خمسين عاماً في لحظة عزف مشتركة.
أما في خلفية هذا اللقاء، تلوح المدينة نفسها كأنها الشخصية الخامسة في الفيلم—مدينة تتسع عمرانياً لكنها تضيق ثقافياً، فتدفع مبدعيها إلى الهجرة أو الصمت. وهكذا يصبح “العودة إلى المدينة” عنواناً مضاعفاً: عودة المخرج إلى ذاكرة شبابه، وعودة الروك إلى مدينة كادت تنسى أنها أنجبت موسيقاها الخاصة.
في النهاية، يقدّم جمال لكحل عملاً أول يزاوج بين الشعر والحنين والملاحظة الاجتماعية، ويطرح سؤالاً مؤثراً: هل يكفي جيلان، وفرقة قديمة وأخرى تولد الآن، ليُعاد بناء علاقة مدينة بثقافتها؟ قد لا يقدّم الفيلم جواباً نهائياً، لكنه يعيد فتح الجرح بنعومة… ويمنح باتنة لحظة تأمّل تستحقها.
البروفيسور أحمد بجاوي:التلفزيون والسينما شريكان لإعادة الصورة الحقيقية للجزائر
تشهد السينما الجزائرية اليوم مرحلة مهمة من إعادة البعث بعد سنوات من التراجع، في ظلّ تغيّر الأطر السياسية والثقافية، وغياب الإنتاج السينمائي المستمر لعقود. في هذا السياق، يبرز دور التلفزيون الجزائري العمومي كعنصر فاعل في دعم صناعة السينما المحلية وإعادة بناء الصورة الحقيقية للجزائر داخليًا وخارجيًا.
في هذا الحوار، يقدّم البروفيسور أحمد بجاوي وجهة نظره حول العلاقة بين السينما والتلفزيون، والعقبات التي تواجه الإنتاج السينمائي، وأهمية التعاون المحلي والدولي، ودور النقاد، وحدود الحرية الفنية، فضلاً عن رؤيته لمستقبل السينما الجزائرية.
** هل تعتقد أنّ التلفزيون العمومي الجزائري لا يزال رهينًا للنظرة الكلاسيكية فيما يخصّ الإنتاج السينمائي، أم أنّه يحاول بناء هوية فنية خاصة؟
النظرة الكلاسيكية موجودة، لكن علينا إعادة النظر فيها لمواكبة الزمن. في الماضي، كان التلفزيون يعتمد على السينما، والسينما تعتمد على التلفزيون، حيث كان الفيلم يعزّز برمجة التلفزيون ويدعم الخطاب السياسي للجريدة المصوّرة، فكان هناك توازن طبيعي بين الطرفين. هذا التوازن تراجع بعد فترة، لكن اليوم هناك إرادة قوية لإعادة الإنتاج السينمائي.
غياب الإنتاج لسنوات طويلة، خاصة خلال فترة « العشرية السوداء »، أدى إلى فقدان الصورة الحقيقية للجزائر. فقد كانت أفلام مثل « معركة الجزائر »، و »وقائع سنين الجمر » تمنح العالم صورة محترمة عن الجزائر. ومع غياب هذه الصورة، بدأ يظهر تشويش وتضليل عن واقع البلاد. اليوم، نحتاج إلى استعادة هذه الصورة وإيصالها للمتفرّج الداخلي والخارجي، والسينما والتلفزيون لهما دور كبير في ذلك.
** ما هو الدور الذي يمكن للتلفزيون أن يلعبه في هذا السياق، خاصة مع المساعي الحثيثة والجادة لبعث صناعة سينمائية قوية؟
بالنسبة للسينما، يجب إعادة النظر في شبكة العرض والاستغلال. الجزائر كانت قوية بوجود عدد كبير من قاعات السينما، واليوم علينا بناء قاعات متعدّدة الشاشات لتصبح السينما قادرة على تمويل نفسها مستقبلًا.
أما التلفزيون، فهو يحتاج إلى السينما. المسلسلات لها حدود، قد يُحبّها الجمهور في رمضان، لكن على مدار السنة تحتاج البرمجة إلى أفلام تضيف قيمة ومضمونًا. الأفلام تجعل البرمجة أكثر قوّة، وهذا يتطلّب تعاونًا حقيقيًا بين التلفزيون والسينما. إذا ظلّ كلّ طرف يعمل بمعزل عن الآخر فلن ننجح. السينما تحتاج التلفزيون والتلفزيون يحتاج السينما.
** ما هي العقبات التي ترون أنّها تعيق وصول السينما والتلفزيون الجزائريين إلى مستوى عالمي؟
** في الماضي كانت هناك صعوبات، لكن اليوم هناك وعي جديد ومسؤولون يفهمون أهمية السينما في دعم التلفزيون. يتم دعم الإنتاج السينمائي وتشجيع السينمائيين الكبار، بالإضافة إلى المشاركة في إنتاجات مشتركة. عندما يدخل التلفزيون في إنتاج فيلم، تزيد قيمته ويكتسب حضورًا عالميًا، كما حدث مع أعمال رشيد بوشارب، التي قد تصل إلى الأوسكار.
** هل التمويل يمثل عقبة أمام جودة الإنتاج؟
التمويل مرتبط بالإرادة السياسية. عندما تكون الإرادة موجودة، كما هي الحال اليوم، يبقى التنفيذ فقط. إذا تم ترجمة هذه الإرادة على الأرض، فلن تكون هناك مشكلة.
** في اعتقادكم، هل الإنتاجات المشتركة مع الخارج لا تخلّ بالخصوصية المحلية؟
نحن بحاجة إلى الإنتاج المشترك للعودة إلى السوق العالمية، خصوصًا أنّنا فقدنا توزيع أفلامنا. لكن السينمائيين الجزائريين وطنيون وواعون سياسيًا، ولن يمسوا بالخصوصية المحلية.
** ما هو دور النقّاد والسينمائيين في هذه الحركة السينمائية؟
النقّاد لديهم دور كبير، لكن الحل هو التكوين. التكوين الآن له وزن كبير، ويجعل الشباب قادرين على الإنتاج بجودة عالية. عندما تعود القاعات والجمهور، سيكون النقّاد صوت الجمهور الحقيقي.
** في الماستر كلاس تحدّثتم عن « الحرية » في السينما والتلفزيون، ماذا تمثل بالنسبة لكم؟
في التلفزيون هناك مسؤولية أخلاقية ووطنية. لا يمكن عرض أيّ فيلم بدون مراعاة هذه المسؤولية. أما السينما فهي حرية، حيث يختار المتفرج ما يريد مشاهدته. الحرية في السينما تأتي مع الثقة، وأنا أثق بالسينمائيين في احترامهم للحدود، ومع احترامهم للمتفرج.
** نحن على بُعد أيام فقط من بداية سنة جديدا، ماهي آمانيكم، سينمائيا؟
إن شاء الله، السنة القادمة ستكون سنة انطلاق أفلام كبيرة، مثل « الأمير عبد القادر، وفيلم رشيد بوشارب عن التفجيرات النووية برقان وفيلم « محمد بودية » ليوسف محساس، بعد سنوات من التحضير. نتمنى أن تكون سنة مثمرة جدًا للسينما الجزائرية.
خفّة في الحضور وعُمق في الأثر..رويشد..ذاكرة حية تعكس نبض الشارع
قد يحدث أن يمرّ فنانٌ على هذه الأرض فيترك أثرًا لا يشبه أحدًا، أثرًا يلتصق بالناس كما لو أنه خرج من بيوتهم، من أحيائهم، من تفاصيل يومياتهم الصغيرة، ليصبح جزءًا من ذاكرة المجتمع قبل أن يكون جزءًا من الفن. هكذا كان أحمد عيّاد، المولود سنة 1921 في أزفون بولاية تيزي وزو، والمعروف باسم « رويشد »؛ فنانٌ بسيط المظهر، عميق الجوهر، خفيف في حضوره وثقيل في بصمته، استطاع أن يخلق لنفسه مكانًا فريدًا في تاريخ المسرح والسينما الجزائرية، وأن يبقى في ذاكرة شعب بأكمله، ليس فقط لأدواره الكوميدية، بل لقدرته على جعل الضحك نافذة لفهم الإنسان والحياة.
نشأ رويشد في أسرة بسيطة، عاش طفولةً مليئة بالتحديات، حيث لم تكن الظروف المادية تسمح بالراحة أو الترف. التحق بمدرسة « الفتح » في سوسطارة، وتعلّم مبادئ القراءة والكتابة، قبل أن يغادر مقاعد الدراسة في سن الثالثة عشرة، ليبدأ حياة العمل المبكّر، متنقّلًا بين وظائف متواضعة: من صبّاغ إلى بائع خضر، محاولًا إعالة عائلته مثل كثير من أبناء حي القصبة. لكن الحياة التي بدت ضيّقة لم تمنع الحلم، وكان لدى رويشد طموح خفي يختبئ وراء خجله وبساطته، طموح سيقوده إلى خشبة المسرح، حيث سيبدأ تشكيل إرث فني لا يمحى.
لقد كان محمود اسطمبولي من أوائل من لاحظوا تلك الموهبة النادرة، المختبئة خلف خجل خفيف ونظرة شاردة، فدفعه إلى الخشبة عبر مسرحية « استرجع يا عاصي » لعبد الحميد عبابسة، هناك بدأ رويشد ينسج طريقه الفني: أداء عفوي، صدق داخلي، قدرة على تحويل الألم إلى ضحك، وفي الوقت نفسه قدرة على لمس وجدان الجمهور بما يتجاوز حدود الفكاهة التقليدية. في زمن كان الاستعمار يُثقل الحياة نفسها، وجد رويشد طريقه في المسرح ليكون صوتًا للشعب وروحًا للتحدي الفني.
التحق بعد ذلك بعدة فرق مسرحية بارزة، مثل فرقة محيي الدين باشطرزي وفرقة محمد غازي، وشارك في أعمال ستصبح لاحقًا جزءًا من كلاسيكيات المسرح الجزائري، مثل « الأحمق » و »مغامرات بوزيد المهاجر »، أعمال شكّلت مزيجًا من الكوميديا والرؤية النقدية، إذ استطاع رويشد أن يوازن بين الفكاهة والتأمّل، بين الضحك والوجع، ليجعل المسرح منصة لتوثيق الحياة الشعبية، ونقل هموم الناس بصدق وبساطة نادرة.
مع الإغلاق الذي فرضته سلطات الاستعمار على أوبرا الجزائر، لم يتوقّف رويشد عن الإبداع، بل انتقل إلى الإذاعة حيث أبدع أكثر، وأصبح صوتًا مألوفًا في البيوت الجزائرية، إلى جانب نجوم كبار مثل محمد التوري وسيد علي فرناندال. هنا، خلق شخصيات أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية « حسان طيرو، حسان نية، حسان تاكسي »، شخصيات بسيطة لكنّها عميقة، ساخرة لكنّها حنونة، تحمل في طياتها قضايا الإنسان الجزائري، وتروي قصص حياته اليومية بأسلوب كوميدي يمزج بين المرح والصدق، بين التهكّم والرقة.
مع الاستقلال، وجد رويشد فضاءً أوسع في المسرح الوطني الجزائري، حيث قدّم أعمالًا أظهرت نضجًا فنيًا لافتًا ورهافة إنسانية نادرة. ولم يكتف بالمسرح، فقد خاض غمار السينما الجزائرية، وشارك في أفلام أصبح بعضها أيقونات للكوميديا الجزائرية وجزءًا من التراث الوطني، مثل « حسان طيرو » إخراج لخضر حمينة سنة 1967، و »الأفيون والعصا » سنة 1971، ثم « هروب حسان طيرو » سنة 1974، و »حسان نية » سنة 1989، قبل أن يختتم مسيرته السينمائية بفيلم « الظل الأبيض » سنة 1991. في كلّ هذه الأعمال، لم تكن الكوميديا مجرّد وسيلة للترفيه، بل فنّ الإصغاء إلى هشاشة البشر، إلى تفاصيل حياتهم اليومية، إلى أحلامهم الصغيرة ومخاوفهم الكبيرة.
ضحكته لم تكن سريعة أو مفتعلة، بل كانت تأتي متأخّرة قليلًا، كمن يعرف أنّ الفكاهة هي مجرّد غطاء رقيق فوق جراح عميقة. خفته الظاهرة على المسرح كانت تخفي ثقل فنان يرى العالم بعين حسّاسة جدًا، ويستطيع قراءة النفوس البشرية بعمق وحنان.
حين توفي رويشد في 28 جانفي 1999 بالأبيار، لم يرحل اسمه، بل بقي صدى صوته، خطواته الخجولة، ابتسامته الحذرة، وشخصياته التي أصبحت جزءًا من كلّ بيت جزائري. بقيت قدرته المدهشة على صناعة الضحك من دون ابتذال، وعلى قول الحقيقة من دون قسوة، وعلى أن يكون ابن الشعب بحق وبصدق. لقد كان، وما زال، نموذجًا للفنان الحقيقي الذي جمع بين الموهبة والتواضع، بين الفكاهة والعمق الإنساني، بين الترفيه والتأمّل الاجتماعي.
رويشد لم يكن مجرّد ممثل أو كوميدي، بل كان ذاكرة حية، مرآةً لنبض الشارع، وفنانًا صنع تاريخه بموهبته وحدها. لقد منحنا عبر سنوات طويلة نموذجًا للفن الذي يقترب من الحياة، ويحتفل بالبشر ويستوعب تجاربهم، ويجعل من المسرح والسينما مساحة للضحك والبكاء معًا، مساحة لفهم الذات والمجتمع. لذلك، يبقى رويشد، وسيبقى دائمًا، واحدًا من أعظم المبدعين في تاريخ الفن الجزائري، إرثًا حيًا وذكرى لا تموت.
« عشّاق الجزائر » للمخرج شارف الدين قطيطةقصة وطن قبل كلّ شيء
عُرض فيلم « عشّاق الجزائر »، أمس السبت بقاعة « الجزائرية »، ضمن المنافسة الرسمية لفئة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان الجزائر الدولي للفيلم، وهو عمل تاريخي يمتدّ على 135 دقيقة، من إخراج محمد شارف الدين قطيطة، عن سيناريو يوسف دريس، ومن إنتاج المركز الجزائري لتطوير السينما. جمع الفيلم في بطولته مجموعة من الممثلين، من بينهم شفيق كلواز، شافية بن بوذريو، مراد يكور، لويزة نهار، ولورون جارنيغور.
تتشابك أحداث الفيلم بين حكاية الحب التي تجمع دحمان الجزائري بالفرنسية إميلي، وبين قصة الجزائر وكفاحها ضدّ الاستعمار. اختار المخرج قطيطة أن يضع المشاهد أمام مسارين مختلفين يتقاطعان عبر فكرة واحدة، العشق، عشق الأرض والوطن، وعشق الطفولة وذكرياتها. إذ يتنقل الفيلم بين هذه المستويات ليُبرز كيف يمكن للحب، بأشكاله المختلفة، أن يتحوّل إلى قوّة تدفع الشخص إلى التضحية، أو الخيانة، أو التمرّد.
يتيح « عشّاق الجزائر » أكثر من قراءة، ويخرج المتفرّج في النهاية بمشاعر متباينة وأسئلة ملحّة حول الحب والوطن والثقة والولاء والخيانة. لماذا خان دحمان الثقة التي وضعها فيه المحامي ديمونتاس؟ وهل كان موقف الأخير سيتغيّر لو لم يخن دحمان ثقته؟ أم أنّ مبادئ المساواة التي كان يدافع عنها المحامي ديمونتاس لم تكن سوى شعارات سقطت عند أوّل اختبار تعلّق بابنته؟.
تبدأ قصة الفيلم في حي بلكور عام 1940، حين يُقتل رابح، والد دحمان، في الحرب العالمية الثانية بعد تجنيده قسرًا ضمن الجيش الفرنسي، ليترك ابنه في كنف والدته وريدة وجدته زهرة. تضطر الأسرة إلى مغادرة القرية في أعالي القبائل والانتقال إلى العاصمة، حيث تستقر في بلكور. في الوقت نفسه، يبدأ التخطيط للعمل المسلح ضدّ المستعمر، من خلال اجتماعات تجمع المناضلين إسماعيل، مراد وأرزقي.
وبينما تحتدم نقاشات فرنسية– فرنسية بين المحامي ديمونتاس وأصدقائه من المعمّرين عن إمكانية دمج المجتمعين الجزائري والفرنسي في نسيج واحد، تتأكّد استحالة ذلك في نظر الجميع لاختلاف طبيعة المجتمعين. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، وبينما يحتفل الفرنسيون بالنصر، يلفت الصحفي ألبير انتباه المحامي إلى أنّ ما حدث في 8 ماي لم يكن مجرّد « أحداث »، بل مجازر امتدّت عبر عدّة مدن. هنا تتباين المواقف بين من يدعو للإنسانية ومن يتمسّك بخطاب « الحضارة » التي جاءت بها فرنسا.
يعيش المحامي ديمونتاس وحيدًا مع ابنته إميلي، ويطلب من زهرة، جدة دحمان، أن تعتني بالبيت وبابنته. يكبر دحمان وإميلي تحت سقف واحد، ويحرص والدها على أن يحظيا بالتعليم نفسه حتى نيل شهادة البكالوريا. من هنا تبدأ علاقتهما التي تتحوّل إلى قصة حب تهزّ استقرار العائلتين وتضع دحمان في مواجهة سلسلة من الأحداث المتلاحقة.
يرفض ديمونتاس أي علاقة تجمع ابنته بالشاب الذي خانه واقترب من ابنته رغم اعتباره له ابنًا. في المقابل، تتمسّك إميلي بحبها، ويظهر حقيقة الموقف العنصري للمحامي تجاه كلّ ما هو « غير فرنسي » و »عربي »، كما يصفه، وتبدأ عملية انتقام تطول دحمان.
تتسارع الأحداث، ولا يجد هذا الأخير مخرجًا من أزمته إلاّ الالتحاق بالمجاهدين في الجبل، حيث يبدأ فصلًا جديدًا من حياته. وتبقى الحكاية مستمرة بين إميلي ودحمان لتكتمل فصولها بعد استقلال الجزائر.
ويؤكّد لوران جيرنيغور، مؤدي دور المحامي، أنّ الشخصية « كانت منقسمة بين رغبتها في الظهور متفتحة وليبرالية الأفكار، وبين انتمائها إلى مجتمع لا يقبل تجاوز حدوده، وعندما تعلق الأمر بعائلته لم يكن متفتحًا أبدًا ».
الفيلم القصير “فيريــتاس”حين يتحوّل الواقع إلى مادة خام لخرق كل القواعد
يقدّم المخرج الفرنسي توماس كاستانغ في فيلمه القصير «Veritas» عملاً يختبر فيه الحدود الهشّة بين الحقيقة والتمثيل، بين الواقعة العنيفة كما هي، وبين إعادة تشكيلها داخل فضاء سينمائي تحكمه الرغبة في الكمال. منذ اللحظات الأولى، يضعنا الفيلم أمام سؤال مركزي: « ماذا يحدث حين يصبح المخرج، ذلك الذي يفترض أن يكون سيد العالم المتخيَّل، عاجزاً عن القبض على مشهد واحد يستمد مادته من جريمة حقيقية هزّت شبكات التواصل الاجتماعي؟ ».
يبدو المخرج داخل الفيلم أسير هوسه، عاجزاً عن إيجاد النبرة الصحيحة بين محاكاة العنف وترويضه داخل إطار جمالي. هنا تتجلّى قوة “فيريـتاس”، فهو لا يكتفي بإظهار أزمة فنية، بل يكشف مأزقاً أخلاقياً: أي حق يمتلكه الفن في إعادة إنتاج الألم؟ وأي مسافة ينبغي أن تبقى بين الواقع وكاميرا تُصرّ على اقتحامه؟
الانقلاب الحقيقي يحدث مع ظهور ذلك الفارّ الذي يدخل فجأة إلى موقع التصوير، كعنصر غريب يخرّب النظام الداخلي للفيلم. وجوده لا يربك المخرج فقط، بل يفجّر كل الأسئلة المكبوتة. يتحوّل الرجل الهارب إلى مادة اقتناص، شخصية تُفرض على السيناريو بقوة الصدفة، لتغدو بديلاً عن الممثل، ولتنقلب العملية الإبداعية برمّتها إلى مطاردة بين الحقيقة والوهم.
هنا ينجح كاستانغ في خلق توتر درامي يربك المتلقي ويجعله في مواجهة مباشرة مع هشاشة “سلطة” الإخراج، ومع ميل السينما المعاصرة إلى استغلال أي حدث حيّ، مهما كان فجّاً أو مؤلماً، بحثاً عن “مشهد مثالي”.
أسلوب كاستانغ، الذي تمرّس عبر الإعلانات والفيديو كليبات، يظهر بوضوح في دقة الإيقاع البصري وصرامة تكوين اللقطات. لكن الجديد في هذا العمل هو تلك النزعة التأملية التي تمنحه عمقاً إضافياً، وتكشف رغبة المخرج في تجاوز حدود الحرفة نحو مساءلة أوسع لطبيعة الصورة نفسها. ولعلّ هذا ما ينسجم مع مشاريعه المقبلة التي يشتغل فيها على ثيمة الحلم داخل مجتمع مضطرب، ثيمة حاضرة هنا بشكل خافت، لكنها تؤسس لمرحلة فنية أكثر نضجاً.
“فيريــتاس” ليس مجرد فيلم قصير، إنه تجربة تختبر هشاشتنا أمام ما تبثه الشاشات يومياً من عنف مباشر، وتضع الفن أمام مسؤولية ثقيلة، أن يقول الحقيقة، دون أن يسقط في فخ استهلاكها.
المخرج التشيكي بيتر فاكلاف:الشخصيات المهمّشة مرآة المجتمع والسينما منصتها
في هذا الحوار، يفتح المخرج التشيكي بيتر فاكلاف نافذة على رؤيته للسينما ودورها في كشف واقع المهمّشين وغير المرئيين في المجتمعات. ويؤكّد أنّ الشخصيات المنسية أو المُهملة تعكس في الواقع جودة المجتمعات وحساسيتها تجاه الأقليات والضعفاء، وأن حضورهم في السينما يتيح لنا رؤية ما يغفل عنه المجتمع عادة. كما يروي كيف أنّ تجربته الشخصية وانغماسه في حياة هذه الشخصيات كانت مصدر إلهام له في اختيار القصص التي يرويها، وكيف أنّ التحضير للأفلام ودراستها تغيّر حياته وتثري تجربته. من خلال الحوار، يوضح أيضًا أهمية تمكين كل أمة من سرد قصتها عبر السينما، ويؤكد على دور الثقة بالنفس والمعرفة والثقافة في تمكين الشباب من صناعة الأفلام وإيصال رسائلهم بصدق وجرأة.
**ما الذي يجذبك تحديدًا في شخصيات المهمّشين أو غير المرئيين في المجتمعات؟
ما يجذبني هو أنّ الأشخاص الذين تُخفيهم المجتمعات أو تُهملهم يكشفون لنا في الحقيقة عن جودة تلك المجتمعات. فطريقة تعاملنا مع الأقليات، أو الأشخاص الضعفاء، أو حتى الحيوانات، تقول الكثير عن نظرتنا الجماعية وحساسيتنا. وكلّ مرة ننسى فيها أحدًا، قد يعني ذلك أننا نغفل شيئًا مهمًا. وأعتقد أنّ دور المخرجين هو أن يقولوا للآخرين « انتبهوا، هناك شيء يحدث هنا… انظروا ».
**وكيف تؤثر تجربتك الشخصية في اختيار القصص التي ترويها سينمائيا؟
في الواقع، أنا أسمح للقصص والأشخاص والسياقات بالتأثير عليّ أكثر مما أؤثر فيهم. ما أحبه كثيرًا هو أنّ مرحلة التحضير للفيلم وكتابته تغيّر حياتي في كلّ مرة. فهي دائمًا اكتشاف جديد، ومدرسة للحياة، والتزام يثري تجربتي. فعلى سبيل المثال، عندما صنعت فيلمًا عن الملحّن التشيكي جوزيف ميسليفشيك، مؤلف الأوبرا الإيطالية في القرن الثامن عشر، كان عليّ أن أتعلم اللغة الإيطالية وأدرس تاريخ إيطاليا وسياق الأوبرا في تلك الفترة. وقد غيّرتني تلك التجربة بالفعل.
وبالمثل، عندما عملت مع الغجر وعشت بينهم واكتشفت عالمهم، كانت تجربة ثرية جدًا. حاولت أن أستخدم تلك المعرفة لمنحهم مساحة على الشاشة، لأنّهم نادرًا ما يرون أنفسهم ممثلين بإنصاف، وغالبًا يظهرون في نشرات الأخبار باعتبارهم لصوصًا أو مجرمين، بينما لا تُمنح لهم الفرصة ليحكوا قصصهم بأنفسهم.
وأعتقد أنّ كلّ أمة أو جماعة، أيًّا كانت، يجب أن تمتلك القدرة على سرد قصتها من خلال السينما.
**برأيك، كيف يمكن للسينما أن تُحسّس الجمهور تجاه قضايا المهمّشين؟
لا أحب إعطاء الدروس لأحد. أنا أعمل بطريقتي الخاصة، من خلال التعمّق في معرفة الشخصيات وثقافتها والسياق الاجتماعي الذي تعيش فيه. أما القول بما يجب أن تفعله السينما عمومًا فليس دوري.
**وكيف ترى تطوّر سينما الهامش اليوم في أوروبا؟
لا أعرف بدقة، لكن كل عام نرى فيلمًا مهمًا يتناول حياة أشخاص مهمّشين. فمثلًا، في العام الماضي، كان هناك فيلم « حياة سليمان » لبوريس لوجكين في فرنسا، الذي يتتبع بضعة أيام من حياة مهاجر يعمل كعامل توصيل في باريس. هذا النوع من السينما موجود وأعتقد أنه ما يزال حيًا.
**ما التغيير الذي تودّ رؤيته في السينما الأوروبية أو العالمية فيما يتعلق بتمثيل هذه الفئات؟
أود أولًا ألا نفقد التمويلات. أصبح من الصعب أكثر فأكثر الحصول على الدعم لإنتاج الأفلام، فالأفلام الاجتماعية أقل تجاريّة من الأفلام الترفيهية، ونخشى أن نفقد القدرة على صنعها. يجب علينا الحفاظ على ما نملكه في أوروبا والسعي إلى تحسينه… لكن الأمر ليس مضمونًا، فالوضع السياسي والاقتصادي اليوم مقلق للغاية.
**خلال درسك في السينما، شدّدت على أهمية الثقة بالنفس. كيف يمكن لذلك أن يساعد في صناعة فيلم؟
الشباب يحتاجون إلى الثقة بأنفسهم؛ فإذا لم يثقوا بأنفسهم لن يتمكنوا من التقدّم. لكنني قلت أمرين، يجب أن يثقوا بأنفسهم. ويجب أن يدرسوا كثيرًا، ويقرأوا، وينمّوا ثقافتهم، ويحصّنوا أنفسهم فكريًا من أجل كتابة الأفلام وصناعة السينما. من جهة، يجب أن يكون الإنسان صارمًا مع نفسه، ومن جهة أخرى، يجب ألا يفقد الإيمان بما يرغب في تحقيقه. أعتقد أن من واجبي، كمخرج أكبر سنًا وأكثر خبرة، أن أقدّم لهم بعض الشجاعة.
سوق AIFF 2025
لأول مُــرة، يطلــق مُهرجــان الجزائــر الدولــي للفيلـم سـوقه السـينمائي «AIFF SOUK»، والـذي ســيقام مُــن 5 إلــى 9 ديســمبر 2025 بديــوان ريــاض الفتــح، علــى مُســتوى الطابــق رقــم 102، وســيتم بالمناســبة تخصيــص نافــذة لعشــرة مُشــاريع وتقديــم مُلخصــات عنهــا والتعريــف بأصحابهـا، يهـدف هـذا الفضـاءً المهنـي الجديـد إلـى تعزيـز اللقـاءًات وتكثيفهـا، وتشـجيع التبـادل بيــن الفاعليــن فــي قطــاع الســينما والســمعي البصـري، وتكمـن غايتـه أيضـا فـي تحفيـز عمليـات بيــع الأعمــال الفنيــة، واقتنائهــا، وانتاجهــا، والتشــارك فــي إنتاجهــا، وتوزيعهــا، وفــي هــذه الطبعـة الافتتاحيـة سـيكون التركيـز على السـوق الوطنيــة، مُــع توســع تدريجــي نحــو المســتويات
الإقليميــة والدوليــة فــي المســتقبل.
سـيجمع الــسوق (SOUK) المنتجيـن والموزعيـن، ومُنصــات العــرض، والقنــوات التلفزيونيــة، فــضلا عـن المؤسسـات الحكومُيـة المرتبطـة بصنـدوق دعــم الســينما، بهــذه الخطــوة يؤكــد مُهرجــان الجزائــر الدولــي للفيلــم (AIFF) التزامُــه ببنــاءً دينامُيكيـة مُهنيـة مُسـتدامُة، عبـر توفيـر بيئـة مُناسـبة وإطـار مُلائـم للتعـاون، وتعزيـز المشـاريع
الســينمائية وترقيتهــا
سوق AIFF 2025
لأول مُــرة، يطلــق مُهرجــان الجزائــر الدولــي للفيلـم سـوقه السـينمائي «AIFF SOUK»، والـذي ســيقام مُــن 5 إلــى 9 ديســمبر 2025 بديــوان ريــاض الفتــح، علــى مُســتوى الطابــق رقــم 102، وســيتم بالمناســبة تخصيــص نافــذة لعشــرة مُشــاريع وتقديــم مُلخصــات عنهــا والتعريــف بأصحابهـا، يهـدف هـذا الفضـاءً المهنـي الجديـد إلـى تعزيـز اللقـاءًات وتكثيفهـا، وتشـجيع التبـادل بيــن الفاعليــن فــي قطــاع الســينما والســمعي البصـري، وتكمـن غايتـه أيضـا فـي تحفيـز عمليـات بيــع الأعمــال الفنيــة، واقتنائهــا، وانتاجهــا، والتشــارك فــي إنتاجهــا، وتوزيعهــا، وفــي هــذه الطبعـة الافتتاحيـة سـيكون التركيـز على السـوق الوطنيــة، مُــع توســع تدريجــي نحــو المســتويات
الإقليميــة والدوليــة فــي المســتقبل.
سـيجمع الــسوق (SOUK) المنتجيـن والموزعيـن، ومُنصــات العــرض، والقنــوات التلفزيونيــة، فــضلا عـن المؤسسـات الحكومُيـة المرتبطـة بصنـدوق دعــم الســينما، بهــذه الخطــوة يؤكــد مُهرجــان الجزائــر الدولــي للفيلــم (AIFF) التزامُــه ببنــاءً دينامُيكيـة مُهنيـة مُسـتدامُة، عبـر توفيـر بيئـة مُناسـبة وإطـار مُلائـم للتعـاون، وتعزيـز المشـاريع
الســينمائية وترقيتهــا
« مشية الغراب » للمخرج خالد بن طبال نداء للحفاظ على ارث الأجداد
شهدت المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة، في مهرجان الجزائر الدولي للفيلم، عرض « مشية الغراب » للمخرج خالد بن طبال، وقدّم العمل السينمائي اللافت رؤية إنسانية عميقة حول الصحراء الجزائرية وما تحمله من ذاكرة، وهو فيلم يغوص في العلاقة المركّبة بين الإنسان وإرث أجداده، وبين الحاضر المتسارع والماضي المتجذّر في الرمال.
تدور أحداث الفيلم (38 دقيقة) في عمق الصحراء الهادئة حيث يعيش عبد الهادي (أدى الدور الممثل لخضر شتيوي) مع أسرته محافظًا على عادات الأجداد، متمسّكًا بثقافة البدو التي ورثها جيلًا بعد جيل.
من خلال حوارات بسيطة بين كبار السن، يلتقط الفيلم حالة القلق التي يعيشونها تجاه المستقبل، في ظل تغيّر أحوال الأجيال الجديدة وابتعاد الكثير منها عن طرق العيش في الصحراء. ويبرز خوف عبد الهادي على ابنه سالم الذي قد تجرفه موجة التغيير، ليأتي صوت الشيخ مذكّرًا بضرورة الحفاظ على إرث الأجداد “حتى لا يمشي المرء مشية الغراب فيضيع”.
تزداد المفارقة حين يظهر محمد أو “موح” (أدى الدور الممثل أحمد شتين)، شاب منفصل تماما عن ماضي الاجداد، في لباسه وأفكاره وتعاطيه مع حياة البدو. يدخل إلى عالم عبد الهادي بحجة البحث عن عشبة طبية لمعالجة إحدى قريباته، لكن تطور الأحداث يكشف للمشاهد أن دوافعه ليست كما ادّعى.
في رحلة البحث تلك، يرافق الفيلم محمد إلى عمق الصحراء حيث تنبت العشبة المتوارثة التي يتداوى بها السكان، ويبدأ الشاب، من خلال الاحتكاك بالبدو، في إعادة اكتشاف قيم الكرم والأصالة والبساطة، والأهم « اكتشاف ذاته ». ويضعه المخرج في مواجهة مباشرة مع حدود التكنولوجيا؛ فهناك، وسط الرمال، تتوقف سيارته، ويعجز الـ »جي بي أس » عن إرشاده، فلا يبقى له سوى النجوم وما تعلمه عبد الهادي من أسلافه. لحظة سينمائية صافية تبرز هشاشة التكنولوجيا أمام قسوة الصحراء وروحها القديمة.
يعتمد المخرج على حوار واقعي غير مفتعل، وعلى لقطات شاعرية للصحراء، ليقدّم رسالته دون خطاب مباشر أو وعظ، بل من خلال حالة إنسانية تُظهر أن تقدم الإنسان لا قيمة له إذا انفصل عن جذوره. فالصحراء، بكل جمالها وقسوتها، تعيد الإنسان إلى بدايته، إلى ما تركه الأجداد من خبرة وطرق عيش يجب ألا تُهمل مهما بلغ التطور.
تميز الفيلم بمشاهد للطبيعة الخلابة للصحراء الجزائرية حيث اخذ المخرج لقطات ممتدة وواسعة للرمال تسافر بالمشاهد الى أجواء من السكينة وتعيده الى أحضان الطبيعة التي مهما كانت قسوتها يكفي ان نفهمها لنتكيف مع قوانينها.