طبعة 2025
السجادة الحمراء تستعيد وهجها:مهرجان الجزائر يعود بنبض جديد
رسّخ مهرجان الجزائر الدولي للفيلم خلال إحدى عشرة طبعة، مكانته في خارطة المهرجانات الجزائرية وفي الساحة الثقافية، ويصبح حدثا يلقى اهتمام الجمهور، والسينمائيين، والمثقفين أيضا، هذا ما برز بوضوح في أجواء افتتاح الدورة الثانية عشرة التي أقيمت بالمسرح الوطني الجزائري « محي الدين باشطارزي »، أمس الخميس، حيث بدا المهرجان وكأنه يستعيد نبضه من جديد بعد سنوات من الغياب، فالعودة لم تكن مجرد افتتاح، بل كانت استعادة لروح المهرجان الذي استطاع أن يؤسس مكانته بفضل اختياراته الفنية والجمالية والإنسانية.
شهدت السجادة الحمراء حضورا متنوعا من ضيوف المهرجان، من مخرجين وممثلين وسينمائيين ومهنيي القطاع، جزائريين وأجانب، جاءوا ليشهدوا ميلاد هذه الدورة الجديدة، ورغم طابعه الدولي، حافظ المهرجان على قربه من الجمهور، مقدما تجربة تجمع بين الاحترافية والدفء الإنساني، كما لاقت هذه اللحظات متابعة واسعة من الإعلام الوطني والدولي الذي سجل كل مرور، وكل حركة على السجادة الحمراء.
في هذا الصدد، يرى مستشار رئيس الجمهورية المكلّف بالسينما فيصل ميطاوي، أن المهرجان يتجه نحو نجاح لافت، مستندا إلى عودته القوية هذا العام، سواء من خلال الأسماء المكرمة، أو الخيارات الفنية الواضحة في برمجته، من أفلام ولجان تحكيم وضيوف ودروس السينما، واعتبر أن اختيار فيلم الافتتاح « غطّاسو الصحراء » الذي أعاد إلى الذاكرة اسم طاهر حناش، أحد صناع أمجاد السينما الجزائرية، يحمل دلالة رمزية مهمة، كما ثمّن إقامة حفل الافتتاح في مبنى له مكانة تاريخية مثل المسرح الوطني الجزائري، مؤكدا أن عودة المهرجان إلى قلب العاصمة خطوة تعزز حضوره أكثر، وأشاد أيضا باختيار كوبا ضيف شرف، لما يجمعها مع الجزائر من قيم مشتركة في دعم قضايا التحرر والدفاع عن الشعوب المضطهدة.
بدوره، أشاد الفنان حكيم دكار بمواصلة مهرجان الجزائر الدولي للفيلم، إبراز قضايا الشعوب والدفاع عن قيم التحرر، وهي المواقف التي عُرفت بها الجزائر ولا تزال تحملها، واعتبر أن المهرجان يشكّل فرصة ثمينة للاطلاع على تجارب الآخرين والاحتكاك بصناع الأفلام، مضيفا « أتمنى للمهرجان نجاحا يليق بتاريخه وبالعمل الكبير الذي بُذل ليستمر، وأنا على يقين بأن فريقه قادر بخبرته على دفعه إلى مزيد من التطور، وأن عودته هذه ستكون أكثر قوة وتوافقا مع تطلعات السينمائيين ».
من جهته، قال المنتج والمخرج الطيب توهامي أنّ عودة مهرجان الجزائر الدولي للسينما تشكّل إنجازا لافتا للجزائر، وللعاصمة تحديدا التي تحتاج إلى موعد سينمائي وازن، وأضاف « كلّ التفاصيل التي تحيط بالمهرجان هذه السنة تُنذر بدورة واعدة تحمل ملامح طبعة مميزة، وحضور الوجوه السينمائية على السجادة الحمراء أضفى أجواء حماسية مفعمة بالتطلّع ».
ويرى الإعلامي والناقد السينمائي جمال الدين حازورلي أن استمرار مهرجان الجزائر الدولي للفيلم واتّساعه نحو أعمال وقضايا تُنجز بعناية وجدية يمنحانه طابعا دوليا متينا، فالسينما بوصفها الفن الأكثر شعبية وقربا من الجمهور، تحتاج إلى فضاءات كهذه لترسخ حضورها، ويعتبر حازورلي أنّ المهرجان حقّق خطوة مهمة إلى الأمام، وأنّ الجزائر جديرة بمثل هذا الموعد السينمائي، فهي التي وفّرت لسنوات فضاء رحبا لصناعة أفلام محلية وعالمية، ووهبت الكثير منها خلفيتها البصرية وروحها التي لا تُخطئ.
افتتاح الطبعة 12 لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم:التزام راسخ بالقضايا العادلة والصداقات التاريخية
رُفع الستار، ليلة أمس، عن الطبعة الثانية عشرة لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم بالمسرح الوطني الجزائري » فكانت طبعة العودة، طبعة الخروج إلى النور، فمن ركح « بشطارزي »، نفس الركح الذي احتضن جثمان فقيدة السينما والشاشة « بيونة »، ولدت عنقاء السينما من رمادها، كما تفعل في كل زمان ومكان، وحلقت من الجزائر إلى كوبا، لتؤكد مرة أخرى على أن الجزائر لا تنسى أصدقاءها، كما أنها لا تنسى التزامها تجاه الفن الهادف والقضايا العادلة.
المحافظ مهدي بن عيسى: السينما قاومت الصمت ورافقت التحوّلات
في كلمته خلال حفل الافتتاح، رحّب محافظ المهرجان مهدي بن عيسى إنّ السينما « كانت دائمًا في مواجهة التحديات »، موضحًا « عندما كانت السينما صامتة لم تكن ساكتة. وحتى عندما أتت الألوان لم تخف..صعدت للجبال وساندت الكفاح والتحوّلات الاجتماعية مثل المجاهد الذي يواكب العصرنة ».
وأشار إلى أن السينما تجاوزت الحدود، وعايشت الحروب من أجل الحرية، وتكيّفت مع التلفزيون والأجيال الجديدة والتكنولوجيا الحديثة، لأنّها، كما قال، « خبرة وحيلة » تسمح للإنسان بمواجهة أفكاره وقيمه من خلال الصورة. مضيفا « أفلام اليوم هي ذاكرة الغد وتاريخ المستقبل..ومن واجبنا أن نحكي حكاياتنا قبل ما تصبح مادة يستغلها غيرنا ».
وختم المحافظ كلمته بتحية تضامنية »Viva Cuba Libre… Free Palestine… « .
وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة: الإبداع قوّة لبناء المجتمع وترسيخ قيم الانفتاح
في كلمتها، أكّدت وزيرة الثقافة والفنون الدكتورة مليكة بن دودة أنّ السينما واحدة من أوسع المساحات التي تسمح للإنسان بإعادة التفكير في مصيره وفي معنى العيش المشترك. وقالت « الفن، حين يقترب من قضايا الإنسان، يتحوّل إلى معرفة حسّية تضيء ما قد يُحجب عن النظر، وتمنح التفاصيل الصغيرة قيمتها الأخلاقية ».
وأوضحت أن المهرجان ينهض برؤية تجعل من الإبداع قوة لبناء المجتمع وترسيخ قيم الانفتاح والتفكير النقدي، مشيرة إلى أن تنوّع الأفلام المشاركة يفتح أمام الجمهور مساحات جديدة للتأمل والتفاعل واكتشاف تجارب إنسانية مختلفة. وأضافت « كلّ فيلم يُعرض هنا هو إضافة لرصيدنا الرمزي.. وحوار إنساني يتجدّد بالصورة والصوت ».
وختمت الوزيرة بتحية الفنانين صُنّاع الحلم، مؤكّدة أنّ الجزائر ستظلّ تدعم الفنون التي تمنح الإنسان الحق في السرد والحضور، لتعلن بذلك انطلاق الطبعة الـ 12 لمهرجان الجزائر الدولي .. مهرجان الالتزام بالقضية، بالفن، وبالصداقات العابرة للتاريخ.
سفير كوبا: مشاركتنا تكرّس روابط تاريخية عميقة
من جهته، عبّر سفير جمهورية كوبا بالجزائر عن فخر بلاده بالمشاركة كضيف شرف لهذه الدورة، معتبرًا الدعوة « تكريمًا للعلاقات التاريخية التي تربط الجزائر وكوبا منذ عقود ».
ورحّب السفير بالمشاركين الكوبيين في المهرجان، سواء من المتنافسين أو من أعضاء لجان التحكيم، مؤكدًا أنّ المهرجان يجسّد كامل تضامن الجزائر مع الشعب الفلسطيني « الشجاع »، على حدّ تعبيره.
تتحد أصوات وروايات الشعوب في الجزائر
تأسس سنة 2002، أصبح مهرجان الجزائر الدولي للفيلم (AIFF)، المعروف خلال 11 دورة باسم مهرجان السينما الملتزمة الدولي (FICA)، موعدًا لا يمكن تجاوزه بالنسبة لشغوفين الفن السابع. وبشغف ومثابرة، بنى المهرجان عبر السنوات جسورًا دائمة بين السينمائيين الجزائريين والمبدعين القادمين من دول وقارات مختلفة.
لقد قدّم للجمهور رحلة فريدة عبر أعمال سينمائية من العالم بأسره، حيث نجد كل عرض، وكل لقاء، وكل نقاش قد ساهم في جعل مهرجان الجزائر الدولي للفيلم مفترق طرق ثقافي حقيقي بين الشعوب، وفضاءً للحوار، وتحية حيّة للجزائر، ولسينماها وللسينما العالمية. مكان يصبح فيه الفيلم أداة للذاكرة، وللمقاومة وللخيال المشترك.
في دورته الثانية عشرة، يعزّز مهرجان الجزائر الدولي للفيلم مكانته كفضاء مميّز لسينمات الجنوب ويؤكّد أكثر من أي وقت مضى مهمته كمنصّة تحتفي بالأصوات الجريئة والتجارب الإبداعية. ومع 3,300 فيلم مُستَلم من 117 بلدًا، تعكس الاختيارات الرسمية 2025 الحيوية والامتداد الدولي للسينما: سينما تتحدث إلى العالم بلغة عالمية، ترتجّ بحساسية إنسانية متجذّرة في الواقع ومنفتحة على الأفق الكوني.
من سهول كازاخستان إلى أحياء جنوب إفريقيا، من أنقاض بغداد إلى صحاري الجزائر، ترسم المسابقة الرسمية — الأفلام الطويلة، القصيرة والوثائقية — خريطة إنسانية حيّة، حيث كل فيلم يصبح صوت وجود، رسالة حوار ونبضة أمل.
أبواب مفتوحة على فلسطين
تم إعداد هذا البرنامج بالتعاون مع « فيلم لاب فلسطين » و »مؤسسة رشيد مشهراوي »، ويجمع ثمانية أفلام حائزة على جوائز، تحوّل الألم والنضال إلى لغة سينمائية. تستكشف هذه الأعمال الذاكرة والهوية والمنفى والمقاومة، مؤكدة سينما الحقيقة والأمل، وداعية الجمهور إلى الشعور بإنسانية مشتركة بشكل أعمق.
تحية للسينما الكوبية
تقدّم هذه التشكيلة نافذة جديدة على السينما الكوبية، تمزج بين الحماسة السياسية والسعي الجمالي والذاكرة الجماعية. تكشف الأعمال تاريخ شعبٍ بين نظرة نقدية ونَفَس إنساني وأمل ثوري. سواء كانت محلّ إشادة أو جدل، فإنّها تبقى علامات فارقة لسينما الجنوب التي تبتكر نحوًا خاصًا بها بحرية.
الفنان صالح أوقروت على موعد مع التكريم في حفل الإفتتاح
صالح أوقروت، المعروف فنيًا وجماهيريًا باسم « سولياح »، هو أحد أبرز الفنانين الكوميديين في الجزائر. وُلد عام 1961، بدأ مسيرته في المسرح قبل أن يتألق في التلفزيون والسينما، مقدّمًا أعمالاً خالدة مثل أفلام « كرنفال في دشرة »، و »مال وطنّي »، وسلسلة « جمعي فاميلي »، و »السلطان عاشور العاشر »، و »بوزيد Days ». يتميز بأسلوبه الكوميدي الفردي الذي يعتمد على إماءات الوجه والحركات المدروسة، مما أكسبه مكانة واسعة لدى الجمهور، وجعله من أهم الأسماء في الكوميديا والفن الجزائري عمومًا.
تُعدّ زاهية ياحي من بين الشخصيات المُكرَّمة خلال حفل الافتتاح.
بدأت مسيرتها في الإذاعة الجزائرية (القناة الثالثة)، حيث تميّزت من خلال برامج تناولت قضايا اجتماعية حسّاسة، ما منحها سمعة امرأة حرّة وملتزمة.
ثم شغلت منصب رئيسة ديوان وزارة الثقافة لأكثر من عشر سنوات، ولا يزال اسمها مرتبطًا بشكل وثيق بتنظيم المهرجان الدولي للسينما بالجزائر (FICA).
وقد دافعت خلال ذلك عن رؤية طموحة للسينما الوطنية، وساهمت في بروز جيل جديد من السينمائيين الجزائريين.
معروفة باستقلاليتها الفكرية وارتباطها العميق بالثقافة الجزائرية، تركت بصمة قوية ودائمة في الإعلام والمشهد السينمائي.
ورغم انتهاء مهامها سنة 2023، لا يزال اسمها رمزًا للمثابرة والريادة الثقافية في الجزائر.